أشعر بالأسف إزاء البعض الذين ينتقدون قرارات الحكومة بشأن الإجراءات المؤقتة لترشيد استهلاك الطاقة وما تفرضه من الإغلاق المبكر للمحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم.
بعيداً عن حجم الوفر الذى أخذ البعض يسوقه لنا بأن هذا الإغلاق المبكر ليس بالقدر الكبير الذى تتوقعه اللجنة الحكومية لإدارة الأزمة، خاصة مع استبدال الإضاءة فى الشوارع إلى الإضاءة داخل المنازل، التى يقال إنها تمثل 37٪ من حجم استهلاك الطاقة.
فإن هذه الحجة أدعو الجميع- الناس قبل الحكومة- أن يكون الترشيد فى كل شيء وليس الطاقة فقط.. ثقافة حياة وعادات مجتمعية تفرض الأوضاع الاقتصادية والسياسية أن نغيرها ونتأقلم معها مع الكلفة الباهظة سواء فى إنتاج أو استيراد الطاقة للوقود أو الغاز، لاسيما مع معدلات النمو السكانى الهائل الذى يمثل خطورة حقيقية لنا فى كل المجالات، وصار يمثل صعوبة وضرراً تصل لحدود العوز والندرة فى متطلبات المعيشة.
أتصور أن الله وهب بلدنا مناخاً معتدلاً تسطع فيه الشمس منذ الساعات المبكرة مع الإشراق فى الصباح وتتجاوز 12 ساعة على الأقل فى معظم شهور السنة بما فيها فصل الشتاء.
كان يفترض أن نستفيد من الإضاءة الطبيعية المجانية التى أنعم الله علينا بها، بحيث نبدأ يومنا للعمل أو قضاء احتياجاتنا الحياتية على الأقل مع الثامنة صباحاً، ولكن للأسف هذا لا يحدث حتى فى المصالح والإدارات الحكومية، التى لا يبدأ العاملون فيها ما يعرف بالدوام أو الحضور قبل العاشرة صباحاً، ويأتى الموظفون وهم فى حالة ضيق وضجر ينعكس على تعاملهم الغليظ مع أصحاب الحاجات، وهذا سببه بالتأكيد أن مزاجهم غير رائق لأنهم لم يأخذوا القسط المطلوب من النوم، فقد صرنا جميعاً مخلوقات ليلية اعتادت بل أدمنت السهر والاستيقاظ متأخراً والخروج ليلاً أو حتى السهر مع إدمان الشاشات التى بدأت بالتليفزيون فى الماضى ثم الفضائيات وأجهزة المحمول والتواصل الاجتماعى الذى أفسد علينا حياتنا ودمر القيم والأخلاقيات، نتيجة للاستخدام السييء الذى طال أيضا الأطفال الصغار.
كان يفترض أن تكون مواعيد العمل سواء فى الحكومة أو القطاع الخاص، خاصة المحال والورش مرتبطة بساعات النهار والضوء الرباني.. ولكن هذا لا يحدث، فقد أصبح تعامل أصحاب الحرف لا يبدأ قبل الثانية عشرة ظهراً، ويمتد فى كثير من الورش حتى منتصف الليل، مع ما يصاحب ذلك من إزعاج وضوضاء، خاصة فى الأحياء الشعبية والشوارع والحارات التى يصعب السيطرة على تطبيق إجراءات الفتح والإغلاق التى تصدرها المحليات على الورق فقط.
>>>
إذا كانت هذه الأزمة تفرض على الحكومة اتخاذ مثل هذه التدابير فى الوقت الراهن، فإن إجراءات الترشيد والاستفادة من الطاقة الشمسية يجب أن تكون سياسة حكومية دائمة، وذلك بالتوسع فى استخدامات الطاقة الجديدة والمتجددة.. وأيضا الحد من استهلاك الوقود بإعادة التفكير مرة أخرى فيما كان يعرف فى الماضى بـ «كوبونات الجاز» بحيث لا يكون الدعم الحكومى فى التكلفة مطلقاً بلا حدود يستفيد منه من يستحق أو لا يستحق على السواء، فليس من المنطقى أن يباع لتر البنزين لسيارات الأجانب والسفارات بنفس السعر الذى يباع به لجمهور المواطنين.
كذلك تطبيق أكواد هندسية للمبانى الحكومية أو غيرها، بحيث تتم الاستفادة من الطاقة الشمسية قدر الإمكان ولا تكون المبانى معتمدة، خاصة فى الأروقة العمومية على الإنارة الكهربائية، وكذلك النظر فى إمكانية تطبيق التوقيت الصيفى معظم شهور السنة، بحيث لا تؤخر الساعة إلا ثلاثة أشهر فقط، هى فترة فصل الشتاء.
>>>
باختصار، إننا بحاجة لتغيير فى كثير من عاداتنا لتتواءم مع المتغيرات العالمية، خاصة فى ظل الكلفة الاقتصادية والسياسية الباهظة، بحيث نتقبلها برضا وعقول مستنيرة مفتوحة، وحتى لا يفرض علينا ما هو أكثر من ذلك بكثير فى قادم الأيام والأزمات.









