على ضفاف النيل تنمو سيقان البردى شاهدة على واحدة من أقدم الصناعات التي عرفتها الإنسانية، ولم يكن ورق البردى مجرد وسيلة للكتابة، بل سجلا للحياة، على نقل تفاصيل الحضارة المصرية القديمة من طقوس دينية إلى معاملات يومية، وما زالت هذه الحرفة موجودة ومحافظة على جذورها الممتدة لآلاف السنين.. قرية «قراموص» مركز أبو كبير محافظة الشرقية فيها تتحول البيوت إلى ورش صغيرة تنبض برائحة النبات المجفف، وصوت مكابس الضغط اليدوية، وتوارثت الأجيال سر المهنة وتنتقل الخبرة من الآباء إلى الأبناء لتظل صناعة البردى مصدر رزق وهوية ثقافية فى آن واحد.
صناعة ورق البردي لها مراحل دقيقة تبدأ بزراعة النبات فى بيئة مائية ملائمة، ويتم زراعته يوليو وأغسطس ويتم حصاده بعد 6 أشهر وأقصى ارتفاع للزرع 2 متر، ويتم تقطيعه إلى شرائح رفيعة، ونقع العيدان فى ماء وكلور وبعد ذلك يتم تسويته وفق صفة العاشق والمعشوق، وتوضع تحت الضغط وتُترك لتجف، فتخرج في النهاية ورقة متماسكة، ذات لون ذهبي مميز، ولا تتوقف الرحلة عند هذا الحد، إذ تتحول الورقة إلى لوحة فنية تُزين برسوم فرعونية، ونقوش هيروغليفية، تستحضر مشاهد من التاريخ المصرى القديم. من بين الحرفيين الذين كرسوا حياتهم لصناعة البردي يبرز اسم عاطف سليمان الذى ارتبط بهذه الحرفة منذ شبابه، فلم يتعامل معها مجرد عمل بل اعتبرها رسالة للحفاظ على التراث، بدأت علاقة عاطف بصناعة ورق البردى منذ عام 1988 ومنذ ذلك الحين لم ينقطع عن المهنة التى أصبحت جزءًا أصيلًا من حياته اليومية على مدار قرابة أربعة عقود حتى أطلق عليه العاملون في المجال «شيخ المشايخ» تقديرا لخبراته الطويلة
أشار عاطف أنه يشرف على زراعة النبات بنفسه ومراحل تجهيز الورق، ثم يقوم بتحويله إلى لوحات فنية مُزينة برسوم فرعونية وكتابات هيروغليفية تستحضر مشاهد التاريخ المصرى القديم ، ويحرص على نقل خبرته إلى من يرغب فى التعلم، مؤمنا أن التراث لا يبقى إلا إذا انتقل َمن يد إلى يد، كما أنه يتلقى دعوات منتظمة لتنظيم ورش عمل ودورات تدريبية داخل كليات الفنون التطبيقية والجميلة، وكثير من الكليات، ويقدم للطلاب تدريبًا عمليًا على مراحل تصنيع البردى من تجهيز النبات وحتى انتاج اللوحة الفنية، كما أنه يشارك فى معارض مهمة مثل: ديارنا وتراثنا حيث يعرض نماذج من الأعمال الفنية.
عاطف يحلم بعودة معارض الأسر المنتجة، وأهلا رمضان، وعيد الأم، لما لها من دور كبير فى تنشيط حركة البيع، ودعم الحرف التقليدية، مؤكدا أن الحرفة تواجه تحديات متزايدة، كما تمثل المنتجات المقلدة المطبوعة على أوراق صناعية منافسًا غير عادل حيث تُباع بأسعار أقل وتُطرح فى الأسواق على أنها بردى أصلى، ويضاف إلى ذلك عزوف بعض الشباب عن تعلم المهنة، نتيجة ضعف العائد مقارنة بمهن أخرى.
مشروعات برؤية بصرية وحضارية
.. لتطوير المبانى التاريخية فى مصر

قدم شباب كليات الهندسة المعمارية والتخطيط فى مصر مشروعات جريئة تعيد إحياء المبانى التاريخية بروح مبتكرة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتحول التراث إلى طاقة خلاقة تطور العمران وتثرى الهوية البصرية للمدن
عرض الطلاب على مسؤولي الجهاز القومي للتنسيق الحضاري 42 مشروعًا متكاملًا -تم اختيار 23 عملا متميزا منهم-للمساهمة في إعادة قراءة التراث بعيون جديدة، تجمع بين الحس الإنساني في التصميم ومتطلبات الحياة اليومية، ليصنعوا جسورا بين الإنسان والمكان، وبين التاريخ والواقع.
المهندس محمد أبو سعدة رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري يرى أن هذا الحدث يعد خطوة حقيقية نحو تمكين شباب المعماريين من قيادة مستقبل التراث، وتشجيعهم على العمل بالمناطق والمباني ذات الطابع المميز، بما يحقق توازن بين الحماية والتطوير، والأصالة والحداثة .. مضيفا أنه شارك في هذا الحدث طلاب 11 كلية من 10 جامعات مصرية، بينما تؤكد د.هبة الله يوسف مدير عام التصميم والحفاظ ومنسقة المعرض أن هذا الجيل لا يتعامل مع التراث بوصفه ماضيا جامدا، بل مصدرا ملهما للإبداع وموردا للتنمية، مستلهمين منه رؤى معمارية حديثة تقوم على مراحل الحفاظ والاقتباس والتطوير، وفق المفهوم الذي تبنته اليونسكو عام 2011. . حيث تم مراعاة التنوع النسبي بين الجامعات والمناطق ذات الطابع الخاص المختلفة، بما يعكس ثراء البيئات المصرية وتعدد رؤاها المعمارية.
مشروع المهندسة ملك متولي الطالبة -بالفرقة الرابعة بكلية الهندسة قسم عمارة بالأكاديمية البحرية –يجسد واحدة من التجارب المعمارية الملهمة التي تمزج الهوية بالمستقبل، والأصالة بالابتكار.. بفلسفة إنسانية تجمع بين الفن والعمران، وأن العمارة ليست جدرانًا بل طاقة تعيد تشكيل الوعي، عنوان رؤيتها «الحديقة الموسيقية الرأسية العلاجية» في شارع محمد علي، أحد أكثر الشوارع المصرية عراقة وثراء بالذاكرة الثقافية..تقول ملك متولى إن مشروعها يدور حول فكرة إعادة حق الشارع ليس بمعناه المادي، بل بمعناه الإنساني العميق، بعدما فقد الشارع عبر السنين جزء من روحه بسبب العزلة البصرية والاجتماعية..استند المشروع في تصميمه إلى مفهوم متلازمة نفسية تسمى (الكرومستيزيا) وهو التداخل بين الحواس.
بوابة النصر
المهندسة رنيم محمود رضا مع زملائها تسنيم وائل كمال والشيماء جمال وعبد الرحمن على قاموا بتنفيذ مشروعين يحملان في جوهرهما روح المكان قبل أن يكون مجرد خطة معمارية، الأول: دمج الحرفيين في التطوير وكتابة أسماء شيوخ المهن على الأعمدة، وتصميم مبنى معماري كبير على شكل حرف الـ«ض».
وصون الذاكرة التاريخية للقاهرة الفاطمية، حيث اكتشف الفريق البحثى أثناء دراستها مشكلات متراكمة تهدد الملامح الأصيلة لبوابة النصر والفتوح.. فقد كانت بعض الجهات ترى في المنطقة موقع مناسب لإنشاء مواقف سيارات «جراجات»، بما يتجاهل القيمة الإنسانية والتاريخية لهما ويختزلها في مساحة خرسانية، ومن هنا، بدأ النقاش بين الحفاظ على الذاكرة أو طمسها باسم التطوير فبدأ الفريق التعامل مع المنطقة باعتبارها مساحة يمكن أن تتحول إلى واجهة ثقافية وسياحية أمام باب الفتوح، بحيث تعكس للزوار الأنشطة التراثية نفسها التي كانت تمارس داخل القاهرة الفاطمية، ولكن بروح معاصرة.. وفي الوقت نفسه تفتح المجال أمام أصحاب الحرف التقليدية لعرض منتجاتهم وممارسة أعمالهم في بيئة تحفظ تراثهم بدلا من إقصائهم، حيث تم تصميم معلم معماري كبير يعتمد على لغة الـ «ض»، وهي الأساس الذي بني عليه الشكل العام للمشروع، كما استعان الفريق بـالأعمدة التي تضم أسماء الشخصيات والحرفيين التاريخيين الذين عاشوا في تلك المنطقة، وأما عن المشروع الثاني: قدمه الطلاب بعنوان « تطوير سوق المقطم عبر تصميم سوق جديد يمتد على طول المحور الرئيسي للمنطقة، بحيث يتناسب مع طبيعتها التاريخية ويخدم سكانها وزوارها في الوقت نفسه، وتم إعادة تأسيس المنطقة من جديد.
شارع المعز
قام الطلاب: على محمد غزال، ملك محمود البشبيشى، حسين ماجد محمود، ميرام احمد محمد، بقسم الهندسة المعمارية كلية الهندسة بجامعة فاروس بالإسكندرية بتنفيذ مشروع عن شارع المعز لدين الله الفاطمى، بهدف تطوير الفراغات الحضارية التي مازالت بحاجة إلى إعادة تنظيم وتفعيل بما يخدم الزوار والمجتمع المحلي، واكتشف الفريق مجموعة ملاحظات مثل صعوبة الحركة لذوى الاحتياجات الخاصة ومستخدمى الكراسى المتحركة بسبب طبيعة أرضية البازلت، ونقص المرافق الخدمية الأساسية مثل دورات المياه العامة، واقترح الطلاب حلولا بصرية ومعمارية تهدف إلى توحيد الصورة البصرية لشارع المعز، للمحافظة على طابعه الأثري الفاطمي، وإدخال تحسينات بسيطة تضبط المشهد العام، وتطوير «الأماكن» المفتوحة، مثل المنطقة المقابلة لجامع الحاكم بأمر الله، وإضافة مزيد من الأشجار والمساحات الخضراء، وتحويل الأرض المهجورة إلى منطقة لخدمة الزوار من ذوي الاحتياجات الخاصة.
دار الفنون
فيما ركزت المهندسة مريم وليد بقسم الهندسة المعمارية بجامعة فاروس بالإسكندرية فى مشروعها الفردي على منطقة المحال التجارية المجاورة لجامع الحاكم بأمر الله، وانطلقت رؤيتها في إعادة توظيف المكان دون فقدان هويته الأصلية، والحفاظ على وجود المحلات التجارية لما تمثله من عنصر اجتماعي واقتصادي حيوي في نسيج الشارع، مع العمل على تحسين الصورة البصرية عبر إعادة تنظيم الواجهات وتنسيق الممرات وتوحيد الطابع الجمالي بما يتناغم مع السياق التاريخي للمنطقة، أما الأرض الخالية المجاورة للمحال، فقد اقترحت الطالبة تحويلها إلى دار للفنون، لتكون منصة ثقافية وحرفية تعيد إلى شارع المعز روحه القديمة كأحد مراكز الفنون والصناعات التقليدية، مثل النحاس وغيرها من الحرف التي اشتهرت بها المنطقة عبر العصور، ليكون الهدف من هذا التصميم هو جعل دار الفنون مكان يعرض فيه نتاج الحرفيين والفنانين المعاصرين في بيئة تحافظ على الطابع التاريخي وتحتفي بالإبداع المحلي.
استعادة الهوية البصرية
قدم الطلاب لارا سميح ، ماريان سامر، ناتالي مينا، وملك ملاك بقسم التصميم العمراني كلية الهندسة ، بجامعة عين شمس مشروع يهدف إلى تطوير أحد الشوارع الحيوية في منطقة الكوربه، وهو شارع قهوة عثمان، الذي يعد من الشوارع ذات الطابع التراثي المميز في القاهرة، بعد فقدانه الهوية البصرية وتشويه ملامحه التاريخية، بما يستلزم إعادة إحياء الطابع المعماري الأصيل للشارع وربط التطوير بهوية الكوربه التراثية التي ما زالت تحتفظ ببعض البيوت ذات القيمة المعمارية الكبيرة، ومن أبرز هذه البيوت بيت الفنانة مارى منيب، الذي تعرض خلال السنوات الماضية إلى تعديات وتشويه بصري ومعماري أفقده جزء من أصالته، وهو ما دفع الطلاب إلى التفكير في حلول تحافظ على القيمة التاريخية وتعيد إليه صورته الحقيقية كأحد معالم الكوربه القديمة، واستعادة الهوية المعمارية والفنية المفقودة للشارع، على غرار ما ينفذ حاليا في شارع بغداد ضمن مشروعات التطوير،ومن أبرز عناصر المشروع، إعادة توظيف بيت الفنانة الراحلة ماري منيب ليصبح مركزا ثقافيا يحتفي بتاريخها الفني وسيرتها، ويعبر عن الذاكرة الفنية المصرية القديمة.. وتطوير واجهات المباني وإعادة تنظيم المشهد البصري للشارع ليحكي للزائر قصة الكوربه منذ نشأتها وحتى مراحلها الحديثة، في سرد بصري متتابع ينتهي عند قصر الاتحادية الرئاسي الذي يرمز إلى المرحلة الأخيرة من تطور المنطقة.
قرية الصيادين
في إطار مشاريع تطوير المناطق الساحلية بجنوب سيناء، قدم المهندس أحمد حميد، والمهندس أحمد وليد، مشروع للتخرج مميز بعنوان «استكمال تطوير قرية الصيادين بمحمية نبق بمدينة شرم الشيخ وهو مشروع امتد العمل عليه لمدة عام ونصف تقريبا، ولم يكن الدافع وراء المشروع معماري بحت، بل إنساني تلبية لاحتياجات الأهالي بطريقة بسيطة ومباشرة تراعي طبيعة حياتهم اليومية وثقافتهم المحلية، فالمنطقة تتكون من عشش بسيطة يسكنها الصيادين، فركز المشروع على تأهيل هؤلاء الصيادون وتمكينهم من خلال توفير بيوت سكنية آمنة وخدمات أساسية، إضافة إلى تنظيم أماكن العمل الخاصة بهم، بما يضمن كرامة المعيشة واستدامة النشاط البحري الذى تعتمد عليه القرية، فالمشروع لم يكن فقط لإعادة بناء قرية، بل إعادة بناء حياة، للحفاظ على الصيادين باعتبارهم جزءاً من هوية المكان، فالقرية كانت تعاني نقص الخدمات الأساسية، خصوصًا المدارس والمرافق، من هنا جاءت فكرة إنشاء مجاورة سكنية متكاملة تضم مباني سكنية بخدماتها التعليمية والاجتماعية.
«طابية الدخيلة»
قدمت المهندسة بسمة العصار بقسم العمارة والتشييد بكلية هندسة جامعة اسكندرية مشروع تخرجها بهدف إحياء أحد أهم المعالم الدفاعية التاريخية للإسكندرية، وإعادة توظيفها بطريقة معاصرة، تقول بسمة: أن الإسكندرية كان على ساحلها زمان حوالي 30 طابية دفاعية، لكن لم يتبق منها إلا 6 فقط، فكان الهدف من المشروع إعادة إحياء واحدة من أهمهم وهى «طابية الدخيلة» وتحويلها إلى مركز حضاري سياحي وثقافي، بحيث نربط بين التراث والتطوير الحديث، ويتكون مشروع طابية الدخيلة من ثلاثة مكونات رئيسية هى: منطقة الشاطئ وتضم شاطئ الدخيلة، ومنطقة الميناء والصيادين و تضم سوق السمك التقليدي وورش صناعة السفن
إحياء حديقة الشلالات
مشروع تخرج الطالب ناجي عبدالرازق ناجي كلية التخطيط العمراني بجامعة القاهرة « إحياء وتطوير حديقة الشلالات ومحيطها بالإسكندرية » ، لإعادة إحياء الحديقة وتحويلها إلى مساحة حضارية آمنة تنبض بالحياة والتراث، ودمج الحديقة في نسيج المدينة الحديثة عبر ربطها بالمعالم الأثرية المجاورة، بمحور بصري مفتوح ينتهي إلى ساحة تجمع ثقافية واعتمد التصميم على مبدأ الانفتاح والاتصال، لتسهيل حركة المشاة وربط الحديقة بالأنشطة المحيطة بانسجام بصري ووظيفي، ومن أبرز ابتكارات المشروع “الجسر الأخضر” الذي يربط بين الحديقتين بانحدار طبيعي دون جسور مرتفعة، في تجربة حركة مريحة تحافظ على بساطة المشهد، وشمل المشروع تطوير المنطقة الشمالية المجاورة لجامعة الإسكندرية بخدمات تناسب الطلاب والزوار، مع الحفاظ على الطابع التاريخي، واستخدام تقنيات الصوت والضوء والهولوجرام لإحياء ذاكرة المدينة.









