حسبت بعض الحسابات الأمريكية مسار الحرب مع إيران بالمنطق الأمريكى الذى يعبد فيه الإنسان ذاته ويحسب كل خطواته بما يعود عليه من مكاسب ذاتية وينجز له شهواته التى يعيش من أجلها ،لكن هؤلاء الذين حسبوا وزينوا لرئيسهم دونالد ترامب سرعة قطف الثمار وتكرار تجربة فنزويلا والسيطرة على بترول إيران وعلى وقدراتها فضلا عن إخضاع الدول العربية لإسرائيل بما يتضمن ذلك من القضاء تماما على أى أمل للفلسطينيين فى دولة لهم بعد أن تجتاح إسرائيل كل شىء دون حرب وتحتاج ما تشاء من جيران لها.
فضلاً عن إرهاب العالم كله بإرسال رسالة إلى كل القائمين عليه أن أمريكا تستطيع أن تقبض على من تشاء من قادته كما فعلت فى فنزويلا أو تقتلهم كما فعلت فى إيران متى شاءت.
أقول: إن أولئك الذين زينوا لترامب سوء عمله لم يكونوا ذوى توجه واحد وإنما كانوا فريقين أحدهما كان لا يعرف الطبيعة الإيرانية ولا طبيعة الشخصية المسلمة بصفة عامة ولا أبعاد الشخصية الاستشهادية التى رأوا نموذجا لها فى حربهم على الفلسطينيين فى غزة ولا أبعاد الشخصية ذات البعد الحضارى الضارب فى أعماق التاريخ.
أما الفريق الثانى فقد كانت قضيته تحقيق أهداف إسرائيل بإيقاع أمريكا فيما أوقعتها فيه من مستنقع يستنزفها ويعصف بهيبتها أمام العالم ويظهرها كدولة مارقة لا تعبأ بقانون دولى أو مبادئ لحقوق الإنسان أو بخصوصيات الدول وهو ما يترتب عليه الكثير سواء فى النظر إلى هذه الدولة أو فى طرق التعامل معها، كما يكشف ادعاءاتها التى تخيف بها العالم وتكسبها معاركها دون حرب، فها هى تعجز عن الانتصار على دولة محاصرة منذ 1979م .
كما كانت إسرائيل تضع فى اعتبارها جر دول الخليج إلى حرب واسعة مع إيران لتصبح إسرائيل هى الفائز الوحيد فى الحرب ويقترب أملها من إسرائيل الكبرى التى تتوهمها ودول الخليج تقتتل.
لم تكن دهشة ترامب مفتعلة وهو يفاجأ بصمود لم يتصوره ،وهو من كان ينتظر استسلام الإيرانيين بمجرد رؤيتهم للأسلحة الأمريكية التى كانت تحاصرهم قبل الحرب، فلما لم يحدث توقع استسلامهم بمجرد قتل رأس الدولة وأربعين من قادته، فلما لم يحدث تصور أن ذلك سيحدث بعد قليل من الوقت وهو أمر عاش فيه وتصوره قادة إسرائيل بعد حرب 1967م إلى درجة إعلان موشى ديان أنه ينتظر بجوار التليفون لتصله مكالمة تعلن الاستسلام العربى ، إلا أنهم فوجئوا بأسرع ما يمكن بأمر آخر تماما ووجه آخر للمصرى حين تجرح كرامته فيدافع عن شرفه حتى بصدره العارى.
لذا فرغم التدمير وقتل القادة الذى أحدثته الضربة الأولى لإيران إلا أن رد الفعل كان سريعًا كأن شيئًا لم يحدث بل بدأ الإيرانيون بما تصور ترامب أنهم لن يقدموا عليه ابدًا فضلًا عن تواصل إيران مع دول الجوار لتوضيح موقفها منها وأنها ليست مقصودة بذاتها، بالطبع هذا ينفى جريمة الاعتداء الايرانى على الدول العربية .. لكن فى المقابل لابد أن نرى بوضوح سوء التقدير الأمريكى.









