فى ميزان العلاقات، تظل مصر فى موقع لا تحسد عليه كثيراً؛ دولة بحجمها لا يسمح لها ترف الاندفاع، ولا يعفيها حجمها من النقد. هى مطالبة دائماً بأن تكون الأخ الأكبر الذى يهدئ ولا ينفعل، يستوعب ولا ينجرف، وفى احيان كثيرة.. لا يرد ويتحمل ما لا يتحمله غيره.
المشهد العربى اليوم مزدحم بأصوات عالية، كثير منها صادق الحماس، قليل الخبرة. أصوات ترى الحل فى موقف حاد أو تصريح نارى، وتتعجل نتائج لا تصنع بهذه السرعة. وفى المقابل، تقف مصر على مسافة محسوبة، لا بدافع التردد، بل بدافع إدراك تعقيد اللحظة.
المعضلة الحقيقية ليست فى وجود هذا الحماس، بل فى الخلط بينه وبين الاندفاع غير المسئول. فليس كل صوت مرتفع تعبيراً عن وعى، فى زمن السوشيال ميديا، تحولت السياسة لدى البعض إلى رد فعل فورى. كل حدث يستدعى تعليقاً، وكل صمت يفسر على أنه ضعف. غير ان الدول لا تدار بهذه القواعد. القرارات الكبرى لا تبنى على صخب اللحظة، بل على حسابات المصالح والتداعيات.
ثم ان هناك فارقاً لا يمكن تجاهله بين حماس مشروع، حتى لو اخطأ، وبين أصوات تتعمد الدفع نحو التصعيد دون اكتراث بالعواقب. الأول يمكن احتواؤه وتوجيهه، اما الثانى فغالباً ما يبحث عن أزمة لا عن حل.. طبعاً بخلاف الثالث الذى يسعى بإصرارفى جر البلاد إلى الخراب.
هنا، يصبح السؤال المهم: هل الرد على كل هذا الضجيج ضرورة؟
الإجابة ببساطة: ليس دائماً.
لأن الانخراط فى كل جدل، مهما كان مصدره، يضع الدولة فى موقع رد الفعل، وهو موقع لا يليق بدولة تقود ولا تنقاد. الصمت المدروس احياناً يكون أكثر بلاغة من خطاب مطول، وأكثر تأثيراً من رد متعجل.
البعض يروج لفكرة أن التصعيد هو الطريق الأقصر لاستعادة التوازن، وهى فكرة تبدو مغرية فى ظاهرها، لكنها كثيراً ما تقود إلى نتائج عكسية. فالتصعيد فى غير موضعه قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها، ويضع الجميع أمام سيناريوهات لا يمكن السيطرة عليها.
مصر، فى كثير من الاحيان، تختار الصمت. وهو صمت لا يخلو من الرسائل، ولا يعنى غياب الفعل. بل هو جزء من إدارة مشهد معقد، تتحرك فيه بحساب دقيق، أقرب إلى دقة الجراح الذى يعرف ان كل خطوة محسوبة، وان الخطأ الصغير قد يتسع أثره.
ولا يمكن اغفال ان تحمل مصر لقدر كبير من الانتقاد، سواء من القريب أو البعيد، هو جزء من كلفة الدور. فالدول الكبرى غالباً ما تتحمل ما لا يتحمله غيرها، وتلام حتى حين تصيب.
التجارب السابقة علمتنا ان الاندفاع لا يصنع استقراراً، وان القرارات التى تتخذ تحت ضغط اللحظة نادراً ما تكون الأفضل. فى المقابل، أثبتت الحسابات الهادئة، مهما بدت بطيئة، انها الأقدر على تجنب الخسائر الكبرى.
وأخيراً.. لا تحتاج مصر إلى إثبات قدرتها على الرد بقدر ما تحتاج الحفاظ على قدرتها على الاختيار. اختيار التوقيت، واختيار الاداة، واختيار المسار.








