فى كل مرة تمر فيها البلاد بظرف استثنائى أو أزمة عابرة، تتكشف وجوه لم تكن واضحة من قبل، وتطفو على السطح فئة اعتادت العيش فى الظلال، لا تحيا إلا على هوامش الأحداث، ولا تتغذى إلا على بقايا الألم الذى يسقط من معاناة الناس. هؤلاء ليسوا مجرد عابرين فى المشهد، بل هم محترفو اقتناص الفرص، يترقبون اللحظة المناسبة لينقضّوا عليها، لا بدافع الإصلاح أو الحرص، بل بدافع المصلحة الضيقة التى لا ترى أبعد من حدودها.
>>>
تجدهم حاضرين فى كل تفصيلة، يفتشون فى الكلمات، يقتطعون الجمل من سياقها، ويعيدون تركيبها بما يخدم رواياتهم، حتى تصبح الحقيقة مشوهة، والمشهد ضبابيًا. لا يعنيهم وضوح الصورة بقدر ما يعنيهم قدرتهم على توجيهها، ولو كان ذلك عبر التضليل أو إثارة الشكوك. هم بارعون فى تحويل الحوار إلى صراع، والنقاش إلى ساحة اتهامات، مستغلين حالة القلق العام التى ترافق الأزمات.
>>>
ومع تصاعد التوتر، تظهر «النهايات الطرفية» لهؤلاء على حقيقتها؛ فتسقط الأقنعة التى طالما احتموا بها، وتنكشف الولاءات التى تتبدل مع تبدل المصالح. لا ثبات لديهم على موقف، ولا انتماء حقيقياً لقضية، فالبوصلة لديهم لا تشير إلا إلى حيث المنفعة، حتى وإن كان ذلك على حساب الاستقرار أو المصلحة العامة.
>>>
المثير فى الأمر أن هؤلاء يتحركون بحذر مصطنع، يتهامسون كأنهم يحملون أسرارًا عظيمة، ويظنون أن خططهم خفية لا يدركها أحد. لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير؛ فهم مكشوفون فى سلوكهم، مفضوحون فى تناقضاتهم، أشبه بمن يحاول الاختباء خلف أصابعه معتقدًا أنه غير مرئي. قد تنطلى حيلهم على البعض مؤقتًا، لكنها لا تصمد طويلًا أمام وعى الناس وتجاربهم.
>>>
ومن بين هذه النماذج، نجد من احترف التلون، يمدح اليوم من كان يهاجمه بالأمس، ويبرر ما كان يرفضه، دون أدنى شعور بالتناقض. وهناك من يتخذ من الكذب والتضليل وسيلة للاستثمار، يضخم الأحداث، ويضرب فى مناطق حساسة فقط لإثارة البلبلة. كما يظهر من يجيد مخاطبة العاطفة العامة، متظاهرًا بالقرب من الناس، بينما هو فى الحقيقة يوظف معاناتهم لتحقيق مكاسب شخصية.
>>>
ولا يغيب عن المشهد ذلك النموذج الذى يشبه «المشترك متعدد الفتحات»، يتسع لكل الاتجاهات، ويتكيف مع كل الظروف، يعزف لكل جمهور اللحن الذى يريده، دون أن يكون له لحن خاص أو موقف أصيل. هذا النوع تحديدًا يمثل أخطر أشكال التربص، لأنه يتسلل بهدوء، ويبدو مقبولًا لدى الجميع، بينما هو فى جوهره خالٍ من أى ثبات أو مبدأ.
>>>
فى النهاية، تبقى هذه الفئة جزءًا من المشهد فى كل زمان ومكان، لكن خطورتها تتضاعف فى أوقات الأزمات، حين تكون المجتمعات أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للتأثير. والتصدى لها لا يكون فقط بكشفها، بل أيضًا بتعزيز الوعي، والتمسك بالقيم، وعدم الانسياق وراء كل صوت مرتفع أو رواية مشكوك فيها. فالأزمات، رغم قسوتها، تظل اختبارًا حقيقيًا للمعادن، تكشف الصادق من المتلون، وتفرق بين من يبنى ومن يقتات على الهدم.









