فى حين تلتزم إسرائيل بإستراتيجية تقوم على مواصلة الضغط العسكرى لإضعاف إيران تدريجيا، تميل الولايات المتحدة إلى استخدام هذا الضغط كأداة للعودة إلى التفاوض وتفادى تصعيد أوسع قد ينعكس سلبا على الاقتصاد العالمى المأزوم, ورغم تأكيد مسؤولى إسرائيل أن إدارة ترمب تشارك تل أبيب الأهداف نفسها فيما يتعلق بإيران، فإن اختلاف المقاربات يظل قائما، خصوصا فى ما يتعلق بمدى الاستعداد للمضى فى التصعيد العسكرى أوالانتقال إلى تسوية سياسية.
بناء على المعطيات الأخيرة وبتفسير تصريحات الرئيس الأمريكى الأخيرة يبدو أنه سيجد نفسه مضطرا إلى إنهاء هذه الحرب فى أقرب وقت سواء بالتفاوض أو بدونه, فقد بدا واضحا للرئيس ترامب أن كلفة هذه الحرب أكبر بكثير من مزايا الانتصار فيها, بحسب الأهداف التى وضعتها واشنطن, الضغط على الاقتصاد العالمى بإغلاق مضيق هرمز والحنق الداخلى الأمريكى وتنصل حلفاء أمريكا الأوربيين منها, وإعلانهم عدم المسؤولية عن هذه الحرب العبثية, كلها ضغوط على الرئيس ترامب لينهى هذه الحرب حتى لا يجد نفسه يعيد تجربة ريتشارد نيكسون الفاشلة فى فيتنام, ومن ثم يسعى ترامب إلى تحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية من خلال ما يمكن وصفه بالدبلوماسية القسرية، أى الجمع بين الضغط العسكرى والانفتاح على التفاوض.
كل السيناريوهات التى أعدتها إدارة ترامب لهذه الحرب لا تصلح, فلم تستطع واشنطن إنهاء مهمتها فى ثلاثة أسابيع, ولم تستطع إسقاط النظام الإيرانى باغتيال المرشد, ولم تنجح فى تأجيج الاحتجاجات بالداخل الإيراني, ولم تستطع الوصول إلى اليورانيوم عالى التخصيب, ولم تتوقف إيران عن إطلاق الصواريخ على إسرائيل بل وسعت أهدافها باستهداف جيرانها العرب فى خطأ استراتيجى غير مبرر عزلها عن محيطها, وعليه فلم يتبق غير سيناريو وحيد وهو إعلان الانتصار والترويج له ثم الانسحاب, وقد بدأ التمهيد لهذا السيناريو بالفعل,الرئيس الأمريكى يقول أنه دمر إيران تماما و انتصرعليها ولم تتبق أى أهداف لاستهدافها, كل هذا فى رأيى تمهيد للانسحاب فى غضون أيام قليلة.
المثير للدهشة أنه بينما يعلن ترامب أنه انتصر وقضى على إيران, يخرج الإيرانيون ليقولوا أنهم انتصروا ولن يتفاوضوا ولن يوقفوا اطلاق الصواريخ من دون ضمانات وأنهم مستعدون لمواصلة الحرب إلى أجل غير مسمي, والمثير للاستغراب أيضا أن الرئيس ترامب لا يكترث لما يقوله الإيرانيون.
أما إسرائيل فتتحرك إستراتيجيا لمتابعة تصريحات ترامب عن المفاوضات و تبدى قلقا من إمكانية إنهاء ترامب لهذه الحرب بفرض السيناريوعليها, إسرائيل قلقة من أى اتفاق محتمل يتعارض مع ما تعتبره يمس أمنها القومي, وأجرى نتنياهو اتصالا هاتفيا مع ترامب، عبّر خلاله عن ثقته فى أن أى اتفاق محتمل يمكن أن يبنى على إنجازات الحرب ويحمى المصالح الحيوية لإسرائيل، فالأخيرة لا تريد أن تُفاجأ بصفقة أمر واقع لا تلبى مطالبها بالكامل وقد تترك ثغرة لإيران للعودة مستقبلا, و فى رأيى بحسب شخصية الرئيس ترامب هذا وارد جدا أن يحدث«صفقة أمر واقع».
بالنسبة لنتنياهو، تُشكِّل إيران تهديدا وجوديا لإسرائيل والنصر فى هذه الحرب يتطلب استنزاف قدراتها على المدى الطويل، حتى لو استدعى ذلك جولات متكررة من التصعيد, لذلك تسعى إسرائيل إلى توسيع نطاق العمليات لتحقيق أهداف إستراتيجية أوسع، بينما تحاول الولايات المتحدة ضبط وتيرة التصعيد بما يتماشى مع مصالحها العالمية، خاصة فى ظل تأثير الحرب على أسعار النفط وحركة الملاحة فى مضيق هرمز, الذى تسبب إغلاقه فعليا فى ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الضغوط على الإدارة الأمريكية، فى حين لا تواجه الحكومة الإسرائيلية الضغوط الاقتصادية نفسها بالدرجة ذاتها, وهذا العامل، يفسّر جزئيا رغبة واشنطن فى تسريع التوصل إلى اتفاق يخفف من حدة التوتر ويعيد الاستقرار إلى الأسواق.
يريد ترامب الحفاظ على صورته كصانع صفقات قادر على تحقيق إنجازات دبلوماسية، دون أن يظهر بمظهر المتراجع أمام إيران أو غير القادر على ضبط حلفائه, ولايريد أن توضع صورته فى نفس الإطار الذى وضعت به صورة ريتشارد نيكسون,
فى ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المرحلة المقبلة من الصراع ستتحدد إلى حد كبير وفق الإجابة عن سؤال محوري: من يكتب كلمة النهاية؟ فبينما تريد إسرائيل إطالة أمد العمليات العسكرية، تظل الولايات المتحدة الطرف الذى يملك الأدوات الحاسمة لتحديد مستوى الانخراط النهائي، سواء عبر التصعيد أو وقف الحرب.









