مع كل تغيير وزاري، تتجه الأنظار إلى مراكز ودوائر صنع القرار، خاصة حينما يتعلق الأمر بملف حيوى كالتعليم العالى والبحث العلمي.
داخل أروقة وزارة التعليم العالي، تبدو الصورة أكثر سخونة مع تصاعد الحديث على صفحات «السوشيال ميديا» المهتمة بالملف، حول مصير قيادات جامعة عين شمس الذين تم انتدابهم خلال الفترة الماضية لتولى مواقع مؤثرة داخل الوزارة والجامعات الأهلية وعدد من القطاعات المختلفة، والذين يصل عددهم وفق تقديرات إلى نحو 35 قيادة.
المسألة لم تعد مجرد تكهنات، بل تحولت إلى محور نقاش واسع بين المتابعين، خاصة مع تولى الدكتور عبد العزيز قنصوة الحقيبة الوزارية قادماً من جامعة الإسكندرية، فهو لا يحمل فقط تاريخاً أكاديمياً فى الهندسة البيئية، بل يمتلك خبرة تنفيذية متنوعة، من العمل البحثى إلى إدارة محافظة الإسكندرية ثم رئاسة جامعتها، وهو ما يضعه أمام تحدٍ حقيقى فى إدارة هذا الملف الشائك.
المؤشرات الأولى لتحركات الوزير، والتى شملت تغييراً فى أحد أهم المواقع التنفيذية داخل الوزارة مؤخرا، أشعل النقاش وفتحت باب التساؤلات: هل نحن أمام موجة تغيير شاملة؟ أم إعادة تقييم دقيقة تستند إلى الأداء؟
بعيداً عن الجدل، يفرض الواقع الإدارى قاعدة لا خلاف عليها: من حق أى قيادة تنفيذية أن تختار فريق العمل الذى يعينها على تنفيذ رؤيتها. لكن فى المقابل، تفرض فلسفة الإدارة الحديثة معياراً أكثر صرامة، يقوم على أن بقاء أو رحيل أى مسئول يجب أن يُبنى على أسس واضحة، تتضمن توصيفاً وظيفياً محدداً، وأهدافاً قابلة للقياس، وجداول زمنية لتنفيذ المهام، يعقبها تقييم موضوعى للأداء.
المسألة هنا لا تتعلق بأشخاص بقدر ما تتعلق بمنهج فالجمهورية الجديدة لا يمكن أن تُدار بعقلية «تغيير الوجوه» فقط، بل تحتاج إلى منظومة تُحسن اختيار الكفاءات، وتُبقى على الناجح، وتُحاسب المقصر، بغض النظر عن انتماءاته أو علاقاته.
ومن موقعى كمواطن قبل أن أكون صحفياً متخصصاً فى مجال التعليم، أتمنى أن يتبنى الوزير الجديد سياسة واضحة وشفافة فى التعامل مع هذا الملف، تقوم على معايير معلنة لاختيار القيادات، سواء بالبقاء أو المغادرة، معايير تعكس الكفاءة والقدرة على الإنجاز، وليس القرب أو المجاملة.
الأهم من ذلك، أن تكون أى خطة جديدة امتداداً لما تحقق.. فمصر لا تملك رفاهية أن يبدأ كل مسئول من الصفر، أو أن يهدم ما بناه سابقوه ليعيد البناء من جديد. التطوير الحقيقى هو الذى يبنى على ما سبق، ويعالجه، ويضيف إليه.
وفى قلب هذه الرؤية، تبرز أولويات لا تحتمل التأجيل: ربط التعليم الجامعى باحتياجات سوق العمل، تخريج كوادر تمتلك مهارات المستقبل، واحتضان المبدعين، تحسين الأوضاع المعيشية لأعضاء هيئة التدريس.
ملف التعليم العالى ليس صراع مواقع، بل اختبار حقيقى لمدى قدرة الوزير الجديد على ترسيخ قواعد العدالة والكفاءة داخل واحدة من أهم وزارات الدولة.
والرهان هنا ليس على تغيير أسماء… بل على تثبيت معايير.









