عندما تجاوزت الساعة منتصف الليلة من شهر سبتمبر 1983 والعالم إما مستغرقاً في نومه أو منشغلاً في أمر ما انطلق انذار في مركز الانذار المبكر السوفيتي (آنذاك)، وعلى الشاشة الكبيرة في وسط القاعة يومض بكلمة واحدة –أثارت رعباً لا يمكن تصوره لفريق العمل في المركز- “إطلاق”.
أرسل قمر صناعي سوفيتي إشارة حاسمة قاطعة بأن الولايات المتحدة أطلقت صاروخاً نووياً عابراً للقارات باتجاه موسكو! تجمد الدم في ملامح العقيد السوفيتي (ستانيسلاف بتروف) الذى يدرك تماماً أن الأمر العسكري هو إذا تمت مهاجمتنا، فعلينا الرد بكل ما نملك.
الجميع حوله ينتظرون أمره بالضغط على “الزر الأحمر” لتكون نهاية العالم! هنا كانت قيمة “حدس” بتروف، فما هو الحدس فلسفياً؟ إنه قدرة ذهنية على الإدراك أو الفهم على نحو مباشر وفوري دون الحاجة إلى تفكر منطقي واع، أو تحليل تفصيلي أو أدلة مادية.
إنه يسمى بـ”البصيرة” أو ذلك الشعور الكامن بداخلنا وينطلق في اللحظات المهمة أو الحرجة.
حدس “بتروف” جعله يسأل نفسه: لماذا صاروخ واحد تطلقه أمريكا، هل تبدأحرباً عالمية بصاروخ واحد فقط. وبينما يفكر في الأمر جاء تأكيداً آخر بأن خمسة صواريخ نووية أمريكية في طريقها لتدمر موسكو، وأمامه 20 دقيقة قبل أن تدمر موسكو نهائياً!
كل من حوله يصرخون فيه، أبلغ القيادة لإطلاق الرد النووي. آه، لو أبلغ القيادة لإنطلقت آلاف الرؤوس النووية إلى أمريكا وأوروبا لتكون نهاية البشرية، كان الخيار الكارثي بين أمرين: الأول أن يصدق الآلة التى صممت لتكون في منتهى الدقة، وتكون نهاية البشرية، أو يثق بحدسه الذى يراه عطلاً فنياً ويغامر بإمكانية تدمير بلده في حالة لو لم يكن عطلاً، لكن وبحدس إنساني لا مثيل له يقول لرجاله إنه إنذار كاذب، مجرد خلل في النظام.
وقد اتضح لاحقاً أن القمر الصناعي السوفيتي أخطأ في تفسير انعكاس أشعة الشمس على السحب العالية، وظنها لهيب انطلاق صواريخ.
انتصر الحدس الإنساني، وانهزمت الآلة الكارثية، ونجا العالم ومازلنا حتى الآن نثق تماماً في الآلة كما لو كنا نضع مصائرنا في يدها متى تثبت في مواقف متعددة أنها غير مؤتمنة.
والمستغرب أن بتروف عوقب بعد هذا الحدث المخيف والمروع لأن قادته قرروا أن ينتصروا لصدق الآلة الكاذبة على حساب البصيرة الإنسانية.
لكن تظل الدعوة الإنسانية دائمة للقادة أن يعتمدوا على الحدس عند مواجهة تحديات غير مسبوقة، إذا لم يستطيع الذكاء الاصطناعي مواجهة تلك التحديات.









