مازالت قضية الوعى هى الشغل الشاغل الذى يحب أن يتمتع به المصريون فى ظل هذه الأحداث الجارية من حولنا وهو حائط صد للآثار المباشرة وغير المباشرة للتوترات الإقليمية على الدولة المصرية.
تعيش منطقة الشرق الأوسط اليوم واحدة من أصعب فتراتها التاريخية، حيث تتشابك الصراعات العسكرية مع الحروب النفسية والاقتصادية، لتخلق مشهداً جيوسياسياً شديد التعقيد. وفى قلب هذا الإعصار، تقف مصر كحجر زاوية للاستقرار، مما يجعلها الأكثر تأثراً بتداعيات هذه الحروب، والأكثر استهدافاً بمحاولات زعزعة الجبهة الداخلية. وهنا لم يعد الوعى مجرد رفاهية فكرية، بل بات ضرورة وجودية وأمناً قومياً بامتياز.
الوعى ليس مجرد معرفة الخبر، بل هو القدرة على إدراك ما وراء الخبر.. فى عام 2026، لم تعد الحروب تقتصر على المدافع، بل امتدت لتشمل حروب الجيل الخامس التى تحدثت عنها الاسبوع الماضى التى تستهدف عقل المواطن وشعوره بالأمان، إن الوعى بما يحدث فى الجوار الاقليمى من غزة والشرق إلى ليبيا والسودان والبحر الأحمر والخليج هو الذى يمنح المواطن القدرة على التمييز بين الحقائق وبين الشائعات التى تهدف إلى إثارة الهلع أو التشكيك فى قدرات الدولة، ولا يمكن فصل المواطن المصرى عما يدور حوله، فالتأثيرات تمس تفاصيل حياته اليومية.
لقد أدت التوترات فى البحر الأحمر والمضايق البحرية إلى تذبذب حركة الملاحة فى قناة السويس. وبما أن القناة تمثل شرياناً رئيسياً للنقد الأجنبي، فإن أى تراجع فى إيراداتها يضغط بشكل مباشر على الموازنة العامة. الوعى هنا يعنى إدراك المواطن أن ارتفاع أسعار بعض السلع ليس دائماً نتاج تقصير داخلي، بل هو انعكاس لارتفاع تكاليف الشحن والتأمين العالمى بسبب الحرب وتواجه مصر ضغوطاً غير مسبوقة على كافة اتجاهاتها الإستراتيجية، الوعى بأهمية تماسك الجبهة الداخلية خلف المؤسسة العسكرية والأمنية هو الضمانة الوحيدة لمنع تسلل أى فوضى إقليمية إلى الداخل المصري، ولفهم ثقل الدور المصرى فى الوساطة والتهدئة الذى يمنع انفجار المنطقة بشكل شامل.
ومع استمرار النزاعات تتأثر أسواق الطاقة العالمية وأسعار الحبوب وتدرك الدولة المصرية هذه المخاطر، ولكن وعى المواطن بضرورة ترشيد الاستهلاك والتعامل بمسئولية مع الموارد المتاحة يمثل جزءاً لا يتجزأ من إستراتيجية الصمود الوطني.
فى زمن الأزمات تنشط غرف صناعة الكذب. ويتم استغلال القلق الطبيعى لدى الناس لبث أخبار زائفة حول نقص السلع، أو انهيار العملة، أو تورط البلاد فى نزاعات عسكرية والهدف هو كسر الروح المعنوية وتحويل المواطن من عنصر بناء إلى أداة للهدم.
والحل هو تعزيز «الوعى الرقمي»، أى عدم تداول أى معلومة دون التأكد من مصادرها الرسمية، وإدراك أن الكلمة فى وقت الحرب قد تكون أخطر من الرصاصة.
وبناء الوعى هو مسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع وهنا دور الإعلام الانتقال من نقل الخبر إلى تحليل العمق الإستراتيجى وتبسيط الحقائق للمواطن البسيط. ولابد من غرس قيم الانتماء وشرح طبيعة التحديات التى تواجهها الدولة فى المناهج والخطاب الديني. وعلى كل مواطن أن يكون خفيراً على عقله، يبحث عن الحقيقة ويدرك أن استقرار وطنه هو أغلى ما يملك فى محيط متلاطم الأمواج.
إن مصر عصية بوعى شعبها.
وإن ما تمر به المنطقة اليوم ليس مجرد سحابة عابرة، بل هو إعادة تشكيل لموازين القوى ومصر بحكم تاريخها وجغرافيتها، قدرها أن تكون القائد والمنقذ.. إن وعينا بالحقائق، وصمودنا أمام الضغوط الاقتصادية، وتماسكنا فى وجه الشائعات، هو ما سيجعل مصر تعبر هذه الأزمة كما عبرت غيرها على مر العصور.
الوعى هو المعركة الحقيقية، والمنتصر فيها هو من يمتلك البصيرة قبل القوة.
وللحديث بقية









