يقولون إن السياسة لا تعرف الأخلاق وتعتمد على المناورة والخداع، ربما يكون ذلك هو السائد، لكن بطبيعة الحال هناك استثناءات.. دول ترفع لواء الصدق والشرف وترفض الأسلوب التقليدى للسياسة تتبنى مبادئ وقيما وتحول السياسة من لا أخلاق إلى سياسة أخلاقية، مصر حققت نجاحا كبيرا وعظيما وباتت مدرسة فى سياسة تعتمد على الصدق والشرف والاحترام المتبادل وعدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول واحترام سياساتها وسيادتها وترسخ قيم الحوار والتفاوض، تنبذ سياسات الغطرسة والصراعات المسلحة تؤمن أنها لا تؤدى إلى حلول بل تفاقم الأزمات وتحدث تداعيات خطيرة على الدول المتصارعة فى حجم الدمار والخراب والخسائر والدماء التى تسقط جراء الحرب، إضافة إلى أنها تستنزف الموارد والثروات والمقدرات وتهدر الوقت وتضيع فرص البناء والتنمية ومواكبة التقدم.. الأخطر ان تداعيات الصراع بين طرفين أو أكثر لا تقتصر عليهما ولكن تمتد إلى المنطقة التى تحدث فيها الحرب وتلقى بظلالها على الجميع فى العالم، دولاً وشعوباً خاصة على الصعيد الاقتصادي، فالعالم بات مثل الجسد الواحد إذا أصيب به عضو تداعت له باقى الأعضاء فالعالم بات مثل القرية الواحدة، أى حدث يمكن أن يؤثر على الجميع.
شتان الفارق بين سياسات مصر وسياسات دول أخري.. القاهرة تعمل على إنهاء الحرائق والنيران المشتعلة فى الإقليم وربما فى العالم، تبذل جهودا مكثفة ومتواصلة منفردة أو مع بعض الشركاء فى المنطقة والعالم، تخفض التصعيد، صادقة فى مساعيها متسلحة برؤية ومصداقية، تنطلق من مكانة ودور وثقل وتجارب سابقة أثبتت نجاحه.. مصر واجهت تحديات خطيرة وتهديدات وجودية ومخططات ومؤامرات وإساءات وحملات أكاذيب وشائعات وتشكيكا وتشويها ورغم ذلك لم تتجه نحو الصراع والتصعيد والحرب، أثرت الحلول السياسية والدبلوماسية والحوار أو حتى الصبر والاتزان الإستراتيجى وعندما يقترب منها الخطر أو محاولات الاشعال أو المساس بأمنها، ترسم خطوطها الحمراء.
السؤال: ما الذى يجعل سياسات الشرف والصدق وعدم الخداع ناجحة.. من أهم شروط النجاح أن تكون لدى الدولة القوة والقدرة على الردع وتقف على أرض صلبة ويمكن أن نقول انها حكمة القوة الرشيدة وهناك فارق كبير بينها وبين غطرسة القوة التى لا مبدأ ولا شرف ولا أخلاق ولا التزام بالقوانين الدولية والإنسانية فهى قوة غير أخلاقية، جل أهدافها التوسع واغتصاب حقوق الآخرين وسرقة ثرواتهم واحتلال أراضيهم.
مصر حصدت مكاسب كثيرة جراء سياسات الشرف والاحترام والحوار والتفاوض والحلول السياسية ولم تتبع يوما سياسات الكذب والغدر، لذلك تعيش أزهى عصور الأمن والاستقرار، ونالت احترام العالم وثقته تنطق مقولة مسألة مبدأ، هذه السياسة الأخلاقية التى أرساها الرئيس عبدالفتاح السيسى مكنت مصر من عقد شراكات إستراتيجية مع الدول المتقدمة وهيأت لها سبل البناء والتنمية والعمل المستمر على تغيير الواقع إلى الأفضل وتنفيذ مشروعها الوطنى لتحقيق التقدم مما أدى إلى تنامى قدراتها وصعودها إلى المقدمة.
«الكيان الصهيوني» معروف بأنه مصدر الخداع والكذب ولا تثق فى مواقفه أو حتى فيما يبرمه من اتفاقيات.. محترف تزييف وتحريف الاتفاقيات والقرارات الدولية يتنفس كذبا، لكنه مضطر لاحترام الأقوياء فقط منذ صدور القرار 1701 فى لبنان برعاية دولية على رأسها الولايات المتحدة لم تلتزم إسرائيل ومارست شتى أنواع الانتهاكات ووقف اطلاق النار وضرب مواقع فى الأراضى اللبنانية وهو نفس الأمر بالنسبة لاتفاق خطة ترامب لإنهاء الحرب فى قطاع غزة يماطل وينتهك.. لا يلتزم ببنود الاتفاق ورغم وقف العدوان إلا أن جيش الاحتلال مازال يستهدف الأطفال والنساء والمواطنين الأبرياء ويعمل على منع دخول المساعدات وعلى مدار تاريخه الملوث لا يكف ولا يتوقف عن الكذب والخداع.. ما تعيشه المنطقة جاء بسبب أوهام وسياسات تعتمد على العدوان والانتهاكات وعدم احترام القوانين والمواثيق والمبادئ الدولية من أجل الهيمنة والنفوذ والأطماع فى ثروات الدول وضرب أى محاولات لإقامة نظام عالمى جديد متعدد الأقطاب.. لذلك أرصد موقفين فى الصراع القائم بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران، فالمعلومات أكدت أن أمريكا مارست أعلى درجات الكذب والخداع فى ظل التأكيد على أن المفاوضات الأخيرة بين الأمريكان والإيرانيين كانت تسير فى اتجاه إيجابى وشهدت تنازلات من قبل طهران ولم يكن أى طرف يتوقع اندلاع الحرب التى شنتها أمريكا وإسرائيل فجأة وبدون مقدمات وهو ما أكد أن المفاوضات لم تكن إلا إهدارا للوقت وخداعا أمريكيا-إسرائيليا من أجل تحقيق أوهام الكيان الصهيونى الذى أخضع الرئيس ترامب وتحكم فى قراراته، لم يكن إسقاط النظام الإيرانى هدفا ولا حتى البرنامج النووى أو الصاروخى ولكن الهدف إعادة تشكيل المنطقة العربية كما أعلنها واضحة المتطرف الصهيونى بنيامين نتنياهو والسفير الأمريكى فى تل أبيب مايك هاكابى تحقيقا لخزعبلات وأوهام توراتية وتلمودية ولهذا تشتعل المنطقة ويدفع العالم ثمناً باهظاً جراء أكاذيب الصهاينة وأمراضهم النفسية.
من يقرأ أحاديث وتصريحات الرئيس دونالد ترامب التى لا تتوقف إلا عند نومه يجدها متناقضة ومتضاربة وأحياناً تثير سخرية الأمريكيين وشعوب العالم لا تجد رابطا بينها، فكيف تدعو أكبر وأقوى دولة فى العالم، دولة أخرى للتفاوض ثم تخدعها وتشن عليها حرباً وهجوماً شاملاً وتحدث الكثير من الدمار والخراب وتغتال رموزها وقادتها.
الموقف الثاني: خرج الرئيس ترامب ليعلن للعالم وقف استهداف محطات الطاقة فى إيران ومنح مهلة خمسة أيام، مؤكدا وجود مفاوضات إيجابية قد تنتهى باتفاق لوقف الحرب.. ولم تمض ساعات إلا وتم قصف محطات الطاقة فى إيران، أنا هنا لست مع أو ضد أو أدافع عن طرف على حساب طرف ولكن أضع علامات استفهام حول سياسات ومصداقية وأخلاقيات أكبر وأقوى دولة فى العالم وهل يمكن لأى دولة فى العالم أن تثق فى الولايات المتحدة الأمريكية بعد هذه المواقف وهل العالم أو النظام العالمى الذى تقوده واشنطن يمكن أن يطمئن شعوب الأرض، قد يقولون ان هذه هى السياسة وهذا وارد، لكنه خطير، يشير إلى أننا نعيش عصر الغاب ولم تفلح عصور التقدم وتشكيل نظام عالمى يرتكز على مؤسسات ومنظمات دولية وضعت قوانين ومواثيق ومبادئ دولية تحكم العلاقات بين الدول وتسعى إلى الحيلولة دون وقوع صراعات وحروب مدمرة تؤثر على الإنسان، لكن سلوك الأمريكان يؤكد أننا فى عالم بلا أخلاق أو ثقة أو قوانين.. سقطت كل محاولات البشرية على يد ترامب وإدارته فى إرساء عالم متحضر يحترم القانون والأخلاق والإنسان وهؤلاء لطالما تشدقوا أو صدعونا بالمتاجرات بملف حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية، لكن الأقنعة سقطت وأدركت الشعوب المخدوعة، أنها تعرضت لأكبر عملية خداع وغش وتدليس فى عالم بلا ضمير أو كلمة أو أخلاق.









