فى ظل المشهد الجيوسياسى المتفجر الذى تشهده المنطقة، وتصاعد حدة المواجهات المباشرة وغير المباشرة بين المثلث الإسرائيلى الأمريكى الإيراني، برزت الدولة المصرية كصوت للعقل وقوة فاعلة لضبط النفس، إن «الحكمة المصرية» فى التعامل مع هذه الأزمة ليست مجرد موقف سياسى عابر، بل هى إستراتيجية عميقة الجذور تهدف إلى حماية الأمن القومى المصرى والعربى من تداعيات حرب إقليمية شاملة قد لا تبقى ولا تذر، تستند الحكمة المصرية فى التعامل مع الصراع الإسرائيلى الأمريكى الإيرانى إلى مبدأ الرفض القاطع لتوسيع دائرة الصراع. وتدرك القاهرة أن أى مواجهة مباشرة واسعة النطاق بين هذه القوى ستؤدى إلى انهيار كامل للمنظومة الأمنية والاقتصادية فى المنطقة.
وقد نجحت مصر فى الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع كافة الأطراف فهى الطرف الإقليمى القادر على إيصال رسائل حازمة وهادئة فى آن واحد للجانب الإيرانى وحلفائه. وتؤمن مصر بأن الحلول العسكرية فى هذا الصراع المعقد هى حلول «صفرية»، بينما تكمن الحكمة فى العودة إلى مائدة التفاوض وتفكيك أزمات المنطقة من جذورها، وعلى رأسها القضية الفلسطينية ولم تكتف مصر بدور المتفرج، بل تحركت على مسارات متعددة لوأد هذا الانفجار.
وتدرك مصر أن «المفتاح» لإخماد الصراع مع إيران وحلفائها يبدأ من غزة. ولذلك بذلت الدولة المصرية جهوداً مضنية للوصول إلى وقف إطلاق النار، معتبرة أن إنهاء الحرب فى غزة هو السبيل الوحيد لسحب الذرائع من الأطراف الإقليمية.
وخلال جولات التبادل الصاروخى والتهديدات المتبادلة بين تل أبيب وطهران، لعبت الدبلوماسية المصرية دورا خلف الكواليس لنقل رسائل تحذيرية من مغبة الانزلاق إلى حرب مفتوحة. الحكمة المصرية هنا تمثلت فى إقناع الأطراف الدولية وخاصة واشنطن بأن الضغط العسكرى وحده لن يحل الأزمة، بل قد يدفع المنطقة إلى نقطة «اللا عودة» ومع تصاعد التوترات فى البحر الأحمر، أظهرت مصر حكمة بالغة فى الموازنة بين حماية حقوقها السيادية وتأمين قناة السويس، وبين تجنب التورط فى صدام مباشر مع أطراف إقليمية، مفضلة الحلول الدبلوماسية والضغط الدولى الجماعي.
إن تمسك مصر بمسار الحكمة والتهدئة خلف وراءه آثاراً هامة. لقد تعززت صورة مصر كقوة استقرار لا غنى عنها. وبات الجميع يدرك أنه لا يمكن الوصول إلى أى تسوية مستدامة فى المنطقة دون مباركة ودور مصرى فاعل.
وأثبتت الدولة المصرية لواشنطن والعواصم الأوروبية أن الرؤية المصرية للأزمات هى الأكثر واقعية، وأن الاندفاع وراء الخيارات العسكرية الإسرائيلية المطلقة سيضر بالمصالح الغربية قبل غيرها. والحكمة لا تقتصر على القيادة السياسية فقط، بل تمتد لتشمل وعى الشعب المصري. إن إدراك المواطن لحجم المؤامرات والضغوط التى تتعرض لها الدولة المصرية لدفعها نحو الانخراط فى صراعات خارجية هو جزء أصيل من المعركة.
الوعى الشعبى بضرورة الحفاظ على استقرار الجبهة الداخلية هو الذى يعطى القيادة السياسية «الظهير» اللازم لاتخاذ قرارات تتسم بالصبر الاستراتيجى وعدم الانجرار وراء الاستفزازات.
كما أن الحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية ليست قدراً محتوماً إذا ما سادت «الحكمة المصرية» وتم تبنيها كمنهج إقليمي. دور مصر فى وقف هذه الحرب يعتمد على الاستمرار فى المطالبة بإقامة الدولة الفلسطينية كحل جذري، واحترام سيادة الدول ومنع التدخلات الإقليمية فى الشئون العربية. ولابد من بناء نظام أمن إقليمى يعتمد على التعاون لا التصادم.
وستظل مصر، بحكم تاريخها وجغرافيتها وقوة مؤسساتها، هى الكفة الراجحة فى ميزان المنطقة، تطفئ نيران الحروب ببرد الحكمة، وتحمى حدودها بوعى أبنائها ويقظة جيشها.









