تناولنا فى المقال السابق أنه فى أوقات الأزمات الكبرى تظهر قيمة الدولة القادرة على التواصل مع الجميع، وأن مصر تمتلك هذه القدرة بحكم موقعها الجغرافى، وتميزها عن غيرها من الشعوب بتماسك جبهتها الداخلية، التى تمثل خط الدفاع الأول فى أوقات الأزمات والحروب. وتماسك الجبهة الداخلية يحتاج إلى وجود وحدة وطنية واصطفاف وطني، مع وعى مجتمعي، وحاضنة شعبية، هذه العناصر قلما تتواجد فى أى دولة من دول العالم عدا مصر والصين، وهما أصحاب أعظم حضارتين، على العكس تماماً من دول لا يتجاوز عمرها قرنين من الزمان أو أقل، فمن الصعوبة تحقيقها لهذه العناصر مجتمعة، ولكنها تتحايل لتحقيق مستويات اقتصادية مرتفعة لمنع عدم التماسك والانشقاق المجتمعى داخلها، ولكن هذا يكون على حساب اغتصاب ثروات الدول والشعوب الأخرى، ولكنها تعمل بما نادى به المؤرخ الإستراتيجى الأمريكى جورج كانن فى عام 1946 من أنه إذا أرادت الولايات المتحدة الأمريكية أن تحافظ على هيمنتها على العالم فيجب أن تستحوذ على 50 ٪ على الأقل من ثروات العالم، وهو ما يتم ترجمته حالياً فى إيران، فالحرب فى إيران ليست من أجل النووى كما يزعمون، ولكن يجب ربط الحرب على إيران بما حدث قريباً فى فنزويلا واعتقال رئيسها مادورو، وقبلهم العقوبات على روسيا وإرهاقها فى أوكرانيا، فالهدف من وراء ذلك هو الصين فنزويلا تبيع 800 ألف برميل نفط يومياً إلى الصين، وإيران تبيع 1.5 مليون برميل نفط يومياً إلى الصين، مع العلم أن الصين تستورد 73 ٪ من نفطها، فمن يسيطر على تايوان التى تنتج أكثر من 90 ٪ من الشرائح الإلكترونية عالمياً، يسيطر على تكنولوجيا القرن الحادى والعشرين، وبالتالى فإن الولايات المتحدة الأمريكية استطاعت من خلال الحرب على إيران أن تقطع طاقة الصين وأن تعطل طريقها التجارى إلى أوروبا «طريق الحرير»، وأن تسيطر على منطقة الشرق الأوسط، وأن تكون أكبر الرابحين من تجارة السلاح لهذه الدول، وبالتالى كان الهدف هو اضعاف الصين التى تنتج 28 ٪ من إنتاج العالم وبالتالى هى تقترب أكثر من أمريكا، وبحلول عام 2030 ستكون الصين أكبر اقتصاد فى العالم وهذا يمثل أزمة وجودية للأمريكان. ولكن ما لا تدركه الولايات المتحدة الأمريكية أن تماسك الجبهة الداخلية للدول هو خط الدفاع الأول ضد أى تهديدات أو أزمات، على الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية حاولت مراراً وتكراراً إضعاف هذه الجبهة عبر استخدام حروب الشائعات والمعلومات المغلوطة، أيضاً تفعيل العقوبات الاقتصادية واضعاف مؤشرات الأداء الاقتصادى للدول باستخدام الأذرع المالية كالبنك الدولى، وصندوق النقد الدولى، ومنظمة التجارة العالمية، كذلك تفعيل ودعم مخططات زرع الفتنة سواء بين المسلمين أو المسيحيين، أو حالياً بين السنة والشيعة، ولا تنسى الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً زعزعة الدول باضطرابات إقليمية تؤدى إلى غياب الوعى الكافى وانخفاض المناعة الوطنية للشعوب عبر استخدام آليات حروب الجيل الرابع والخامس التى تصدرها الولايات المتحدة الأمريكية لكل دول العالم بلا استثناء. لذا فإن دور المواطن فى هذا الشان هو جزء لا يتجزأ من خطة الدولة لتعزيز الولاء والانتماء، ودعم الاستقرار، وتحصين المجتمع من الانقسام والتى يمكن بلورتها فى تدعيم عملية التحلى بالوعي،ومحاربة كل أنواع الشائعات والمعلومات المغلوطة، وهو ما ستناوله فى المقال القادم إن شاء الله.









