تطورات مهمة شهدتها الحرب «الامريكية – الإسرائيلية» ضد إيران قبل أيام تضمنت منح إيران مهلة خمسة أيام لوقف تعطيل الملاحة بمضيق هرمز الإستراتيجي صاحبها تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن هناك مفاوضات تجري مع الجانب الإيراني توحي بإمكانية إنهاء الحرب المشتعلة حاليا، هذه التطورات ساهمت في منع اتساع دائرة الحرب وامتدادها إلى البني التحتية لمحطات الطاقة والكهرباء بإيران وربما بعض دول الاقليم ، أيضا فقد أكدت هذه التطورات عن وجود رغبة أمريكية للخروج من مستنقع الحرب بإيران في ظل حقائق تحدثت عنها تقارير دولية تشير إلى أن الولايات المتحدة «القوة العظمى المهيمنة على العالم» باتت محل شك في حسن إدراتها لكوكب الأرض وأنها خسرت منذ دخولها الحرب حلفاء أوروبيين وعربا وفقدت مصداقيتها وقدرتها على تحقيق السلام العالمي، فضلا عن الانقسام الذي طال المجتمع الأمريكي ورفض نحو 60 ٪ من الأمريكيين الحرب ضد إيران، إضافة إلى ما تحدث عنه مقاتلون أمريكيون بأنهم يشعرون بـ «الضعف والضغط الهائل والإحباط» مع دخول الحرب أسبوعها الرابع، وأنهم لا يريدون أن يشاركوا في حرب غير مبررة بإيران أو أن يموتوا من أجل إسرائيل التي لا تريد وقف الحرب واستغلالها في تنفيذ أطماعها بالمنطقة.
>>>
هذه القراءة السريعة للمشهد في الشرق الأوسط تشير إلى أن إسرائيل هي من تشعل الصراعات في المنطقة وهي من تؤثر على سياسة أكبر قوة في العالم في إطار من مصالح سياسية وأهداف دينية مشتركة، كما تشير إلى تأييد البعض لفكرة أنه لا مجال لفض الشراكة « الأمريكية – الاسرائيلية»، ولا أمل قريب في ظهور قوة كبرى مناوئة لأمريكا تعيد توازن القوة للعالم، وبالتالي فلا أمل في تقويض إسرائيل ومنعها من تنفيذ مخططاتها التوسعية في المنطقة، غير أن المتابعة الدقيقة لمجريات الحرب في إيران تبين أن أمريكا وبعد التورط في الحرب ضد إيران ربما تقلل من تدخلات إسرائيل خاصة أن الحرب أثبتت أنه مهما بلغت قدرات تل أبيب الجوية فهي لا تملك عامل الحسم في المعارك المتمثل في حتمية دخول قوات برية بأعداد كافية، كما أن الحرب ضد إيران كشفت أنه رغم الشراكة الوثيقة بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة إلا أن الأخيرة تأكدت أن إسرائيل تظل شريكاً «استثنائياً» لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل في مثل هذه الحروب والتي تحتاج إلى شريك بحجم أوروبا ودول « الناتو» التي كان رفضها المشاركة في الحرب مؤلماً جداً لأمريكا، وعلى المستوى الإسرائيلي فقد صعب التقدم التكنولوجي في مجال التسليح والصواريخ من مهام «القبة الحديدية» وأسلحة الدفاع الجوي الإسرائيلية، والدليل على ذلك نفاذ مئات الصواريخ الإيرانية إلى أهدافها المحددة في تل أبيب وحيفا ومنطقة النقب، لتدمر مئات المباني وتقتل وتصيب مئات الإسرائيليين وتجبر الآلاف منهم على الفرار والهروب إلى دول أوروبية، والأخطر من ذلك وصول الصورايخ إلى مواقع قريبة من مفاعل «ديمونا» النووي والتهديد بتفجيره، وهو ما وصفه بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بالحدث الأسود الذي يستوجب المزيد من الضربات ضد طهران، كذلك رفض نتنياهو لإعلان أمريكا عن إمكانية وقف الحرب بالتفاوض مع إيران وتأكيده أنه سيواصل العمليات العسكرية بغض النظر عن الموقف الأمريكي.
>>>
وحقيقة ورغم المأساة التي تعيشها المنطقة منذ اشتعال الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران، إلا أن التحليل الدقيق للأحداث يشير إلى أن «الكوارث العظيمة تخلق الأمم العظيمة» وأن هناك ضوءاً في آخر النفق، بمعنى أن الدول العربية التي تضررت على مدى عقود من الجانبين الإيراني والإسرائيلي ، بإحتلال أراضي عربية وبدعم تنظيمات مسلحة ساهمت في إشعال الحروب والإضرار بالقضية الفلسطينية ، هذه الدول أصبحت الآن أمام تجربة متكاملة تؤكد أن التحالفات الأجنبية لا فائدة منها، وأنه حان الوقت لتصفية الخلافات العربية – العربية، وأعادة النظر في اتفاقات السلام الإبراهيمية ، كذلك السعي إلى الوصول إلى وحدة عربية شاملة في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية على غرار الاتحاد الأوروبي والناتو، والأهم من ذلك أن يدرك العرب أن هذه الخطوات لابديل عنها في الوقت الحالي، في ظل التغيرات العميقة التي تستهدف المنطقة وما يتردد عن الشرق الأوسط الجديد، وفي ظل إعلان إسرائيل أنها أصبحت قوة اقليمية عظمى في الشرق الأوسط بما يحمله هذا الإعلان من تهديدات مباشرة نستشعر مخاطرها في مواصلة الحرب ضد إيران وبفرض النفوذ الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة، ثم بالإستعدادلإحتلال نصف لبنان، فضلا عن التوغل في الأراضي السورية والتلويح بين الحين والآخر بإسرائيل الكبرى من الفرات للنيل.
>>>
من هذا المنطلق يمكن القول إن العرب أمام فرصة تاريخية ربما لا تتكرر ثانية، هذه الفرصة تتطلب استغلال تجربة الحرب في إيران لترتيب الأوراق واستعادة الوحدة والأمجاد ، بدلا أن تضاف هذه التجربة إلى سجل العرب الطويل من الضعف والتفكك والفرص الضائعة.









