مرة أخرى، وبعد مواقفه الشجاعة ضد إسرائيل فى حرب الإبادة الجماعية التى شنتها على مدى عامين ضد الشعب الفلسطينى فى غزة والضفة الغربية، يثبت أنطونيو جوتيريش، السكرتير العام للأمم المتحدة، أنه رجل دولة كبير على مستوى عالمي، لا يخشى سطوة الدول الكبرى فى مجلس الأمن الدولى أو غيره، ويتعامل مع الأحداث العالمية الكبرى وما تجلبه من مخاطر، بمعيار واحد، هو نصوص ميثاق المنظمة الدولية ومبادئ القانون الدولي، مستخدماً كل ما تتيحه له سلطاته من أدوات، غير مبال بما يمكن أن يتعرض له فى منصبه من عواقب.
ففى الوقت الذى يتردد البعض من قادة العالم فى وصف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بصفتها الحقيقية وهى أنها «عدوان» خوفاً من غضب ترامب، وتهربوا من دعوة المعتدى لوقفها إلى دعوة «أطرافها» إلى وقف التصعيد، وكأنه لم يكن هناك طرف بدأ الحرب، وطرف يدافع عن نفسه وأرضه، خرج جوتيريش بتصريح قوى بداية هذا الأسبوع يدعو فيه لضرورة «وقف الحرب على إيران»، ويشير بكل قوة إلى مسئولية أمريكا عن ذلك بقوله «إن الأمر بيد أمريكا».
جوتيريش خرج عن صمته، وعزز مصداقيته.. فالرجل كان حاضراً فى موقعه قبل أربع سنوات عندما بدأت روسيا عمليتها العسكرية ضد أوكرانيا واعتبرها عدواناً يجب وقفه، وشاركته فى هذا الموقف أكثر من مائة وأربعين دولة بالتصويت فى الجمعية العامة للأمم المتحدة على مشروع قرار يدين هذه العملية وبميزان القانون الدولى المجرد، لا فرق بين الحالتين.. أوكرانيا وإيران، أو روسيا وأمريكا وإسرائيل.
وما فعله جوتيريش كأعلى مسئول دولى فعله قادة عديدون فى مختلف قارات العالم وتجمعاته الإقليمية والعالمية.. حتى بين أقرب حلفاء أمريكا التاريخيين فى أوروبا وعلى رأسهم بريطانيا، الذين رفضوا الانخراط فى الحرب إلى جانب أمريكا وإسرائيل، بل وحلف الأطلنطى ذاته الذى اعتبر حرب ترامب- نتنياهو، خارج نطاق مسئولياته.
ولقد أثار موقف سلطنة عمان- على مستوى الدول- تقدير الكثيرين فى العالم واحترامهم.. فالسلطنة كانت «وسيطا موثوقاً» بين أمريكا وإيران فى آخر مفاوضات بينهما قبل أن تبدأ أمريكا وإسرائيل الحرب.. والسلطنة فى نفس الوقت كانت بين دول الخليج التى طالتها الضربات الإيرانية بالمسيرات والصواريخ، ومع ذلك فإنها حافظت على مصداقيتها والتزامها الإتزان الاستراتيجى فى سياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية، وطالبت أمريكا بوقف الحرب التى أضرت بكل دول مجلس التعاون الخليجى ودول عربية أخرى كالعراق والأردن.
إن هذه الحرب ليست موجهة ضد إيران بشكل عام، ولكن ضد إيران التى تقف فى وجه تسليم الشرق الأوسط لإسرائيل، فهى بالنسبة لإسرائيل تمثل العقبة الوحيدة المتبقية ضد شطب حلم الدولة الفلسطينية لصالح تحقيق حلم إسرائيل الكبري، بعد أن نجحت إسرائيل فى حرب غزة، وحتى الآن فى إضعاف قوى المقاومة فى المنطقة، ولم يتبق أمامها سوى إيران.
وبالتالى فهذه حرب نتنياهو التى تورط فيها ترامب ويحاول أن يجر العالم معه إليها.
وإلا.. لماذا لم تبدأ هذه الحرب إلا بعد أن كانت الترتيبات تمضى بسلاسة من أجل تنفيذ «مبادرة ترامب لوقف الحرب فى غزة» ببنودها العشرين، من وقف لإطلاق النار وتثبيته، وتشكيل «مجلس ترامب للسلام»، ولجنة التكنوقراط الفلسطينية لإدارة غزة، والتطلع لعقد المؤتمر الدولى المنتظر لإعادة إعمار القطاع؟!
لقد قطعت هذه الحرب الطريق على كل هذه الترتيبات، وجعلت ملف القضية الفلسطينية وقطاع غزة يتراجع أمام المتغيرات الإقليمية والعالمية الجديدة والتى سوف يستغرق العالم فى علاج آثارها وقتاً لا أحد يعلم متى ينتهي، كما أنها قد تفرز واقعاً جديداً فى الإقليم لن تكون كل هذه الترتيبات بعيدة عن تأثيراته.
وسوف يكون الرابح الإقليمى الأكبر من هذه المتغيرات- أياً كانت- هو من يجيد استخدامها لتحقيق أهدافه ومراميه.
إن الأطراف الثلاثة للحرب: «أمريكا- إسرائيل- إيران» ، ثم دول الخليج، الأكثر تعرضاً لأثارها المباشرة، لن يكونوا جميعاً بعد الحرب كما كانوا قبلها.
لقد دفع الجميع أثماناً باهظة.. لكن معادلات القوة تغيرت بشكل لا رجعة فيه ولن يكون الشرق الأوسط وتحالفاته القائمة على نفس الصورة.
من هنا لابد أن ننظر إلى «اليوم التالي» لهذه الحرب.. وأن نعيد تحديد وصياغة المخاطر والتهديدات التى تواجهنا وسبل تعاملنا معها، أخذاً فى الاعتبار دروس الماضى والحاضر لتحديد أين تتجه بوصلتنا فى المستقبل.
فمع وضع مشروع «القوة العربية المشتركة» المعطل منذ 11 سنة فى الاعتبار فإن هذه القوة- إذا شيء لها أن تظهر للوجود- يجب أن تولد فى ظل إطار عام واضح ومحدد يتضمن العودة إلى التعريف الطبيعى والتاريخى لمفهوم الأمن القومى العربى بأنه يشمل العالم العربى كله على قدم المساواة من المحيط إلى الخليج عرضا، وبعمقه الأفريقى الذى يضم السودان والصومال وجيبوتي، وجزر القمر خارجها.
وأن القضية الفلسطينية هى القضية المفصلية، بما يستحقه الشعب الفلسطينى من استعادة حقوقه الكاملة على أرضه وإقامة دولته المستقلة وفق المرجعيات الدولية واعتبار كل من يعوق وصول هذا الشعب إلى حقوقه أو لديه تطلعات توسعية معلنة على حساب دول المنطقة يمثل أحد المخاطر والتهديدات للأمن القومى العربى الذى يتوجب مواجهته.
وأن الشراكات أو التحالفات الإستراتيجية للدول العربية مع دول أجنبية مع الحفاظ على أهميتها فى خدمة العلاقات الثنائية لأطرافها يجب ألا تتعارض مع محددات وأهداف الأمن القومى العربي، ولا مع استقلال القرار العربي.
وأن الأمن القومى العربي، وأمن الشرق الأوسط كله لن يتحقق إلا فى ظل إخلاء الإقليم كله من الأسلحة النووية مع الاحتفاظ فقط لكل دولة بالحق فى الاستخدام السلمى للطاقة النووية بالمعدلات التى لا تسمح لها بالانتقال للاستخدام العسكري، وتحت ضوابط رقابية مشددة للجميع دون استثناء.
هذه بعض الاجتهادات التى قد تبدو بديهية، أراها ضرورية لوضع إطار عام واضح ومحدد لحاضرنا ومستقبلنا العربى دون انتظار أن يقرر غيرنا مصير منطقتنا، أو يأخذنا فى اتجاه أن يكون سلتنا الوحيدة التى نضع فيها كل البيض.








