فى اللحظات التى تحبس فيها المنطقة أنفاسها، وتدق طبول الحرب الشاملة بين القوى الكبرى والإقليمية، تبرز مصر كرقيم صعب فى معادلة الاستقرار. لم يكن التحرك المصرى الأخير مجرد استجابة لحدث عارض، بل كان تجسيداً لعقيدة سياسية راسخة تعتبر أمن الأشقاء فى الخليج العربى «خطاً أحمر» لا يقبل القسمة على التوازنات، وامتداداً للأمن القومى المصرى الذى لا يتجزأ.
لقد جاءت جولات الرئيس عبد الفتاح السيسى المكوكية إلى السعودية، والبحرين، وقطر، والإمارات، لتضع النقاط على الحروف فى وقت تغلبت فيه «غرائز الحرب» على لغة العقل. لم تكن هذه الزيارات بروتوكولية، بل حملت رسائل استراتيجية واضحة لكل من طهران وواشنطن؛ مفادها أن مصر لن تقف مكتوفة الأيدى أمام أى تهديد يمس سيادة الأشقاء أو يستهدف أمن الطاقة العالمي.
هذا الحزم الرئاسى سبقه جهد دبلوماسى مضنٍ قادته الخارجية المصرية، بهدف فتح قنوات حوار مسدودة وتفكيك ألغام التصعيد. فقد أدركت القاهرة مبكراً أن اتساع رقعة الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخري، سيقود المنطقة إلى نفق مظلم من التضخم، وانهيار سلاسل الإمداد، وتلوث إشعاعى قد لا ينجو منه أحد إذا ما استُهدفت المنشآت النووية.
الثمار الحقيقية لهذا الدور المصري، بالتعاون مع الشركاء الإقليميين، تجلت فى التحول المفاجئ فى الخطاب الأمريكي. فبعد لغة الوعيد بضرب المنشآت النووية ومحطات الطاقة الإيرانية، وإمهال طهران 48 ساعة لفتح مضيق هرمز، جاء قرار الرئيس دونالد ترامب بتمديد المهلة لمدة خمسة أيام إضافية، واصفاً المحادثات بأنها «جيدة ومثمرة للغاية».
هذا التراجع التكتيكى نحو التهدئة ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج لـ «دبلوماسية الغرف المغلقة» التى لعبت فيها مصر دور الوسيط النزيه. فبينما كان «المارينز» يبحرون نحو المنطقة، كانت الرسائل المصرية تنقل بدقة بين المبعوثين الأمريكيين والجانب الإيراني، لخفض سقف التوقعات العسكرية ورفع فرص الحلول السياسية. إن نجاح مصر فى الدفع نحو «تجميد الضربات» يعكس ثقة الأطراف الدولية فى قدرة القاهرة على صياغة مخارج آمنة للأزمات المعقدة.
الواقع الميداني، رغم التعتيم، يشير إلى خسائر فادحة؛ فاستهداف العمق الإسرائيلى وتدمير أحياء كاملة كما حدث فى «عراد»، يقابله استنزاف للمقدرات الإيرانية وتدمير لمواقع استراتيجية. ومصر، برؤيتها الثاقبة، تدرك أن استمرار هذا النزيف سيؤدى إلى قفزات جنونية فى أسعار النفط تنهك الاقتصاد العالمي.
لذا، كان الموقف المصرى واضحاً فى اتصالاته مع كافة الأطراف، بما فى ذلك الجانب الإيراني: إن سياسة «حافة الهاوية» لم تعد تجدي، وأن تأمين الممرات الملاحية كمضيق هرمز ليس مطلباً أمريكياً فحسب، بل هو ضرورة لحماية مصالح الشعوب الإقليمية من شبح التضخم والجوع.
إن ما حققته التحركات المصرية من «انفراجة الخمسة أيام» يثبت أن القاهرة تظل بوصلة الاتزان فى الشرق الأوسط. إن الدور القيادى الذى تمارسه مصر اليوم لا يهدف فقط لإطفاء حرائق اللحظة، بل يسعى لتأسيس واقع إقليمى جديد يحترم سيادة الدول، ويعلى من شأن التنمية فوق صراعات الهيمنة.
الحرب قد تؤجل بقرار، لكن السلام يُبنى بالجهد والمصداقية، وهو ما تفعله مصر الآن؛ فهى لا تدافع عن حدودها فحسب، بل تدافع عن حق المنطقة بأسرها فى غدٍ لا تمزقه الصواريخ.









