شهدت المنطقة العربية خلال العقدين الأخيرين ، وتحديدا عام 2011 ، واحدة من أكثر مراحل الاضطراب السياسى والأمنى فى تاريخها الحديث ، و هذه الحالة غير المسبوقة من عدم الاستقرار أعادت ترتيب أولويات السياسة الخارجية المصرية تجاه محيطها العربى طوال الفترة الماضية، بعد أن استعادت السياسة الخارجية زمام المبادرة وحركتها النشطة فى أعقاب ثورة 30 يونيو 2013.
وضعت السياسة المصرية تجاه المنطقة العربية فى هذه السنوات هدفين أساسيين، أولهما مساعدة الدول العربية التى مرت بأزمات داخلية – سياسية وأمنية واقتصادية – حادة على استعادة استقرارها وثانيهما دعم جهود الدول العربية الأخرى للحفاظ على استقرارها وعدم امتداد مخاطر عدم الاستقرار وما يرتبط بها من فراغ أمنى وتحديات إرهابية إليها، بالإضافة إلى تعزيز التعاون الاقتصادى مع الدول العربية ليتكامل مع جهود التنمية الوطنية التى أطلقتها مصر منذ 2014 .
و فى هذا الإطار تم التحرك انطلاقاً من ثلاثة مبادئ أساسية، فى مقدمتها الحفاظ على سيادة ووحدة أراضى الدول العربية وسلامتها الإقليمية، ورفض أى تدخلات خارجية فى شئونها.
الأمر الثانى الذى حرصت عليه مصر تمثل فى التمسك بدعم وتطوير مؤسسات الدولة الوطنية، ورفض الفراغ السياسى والأمني، وأى محاولة لملئه من قبل تنظيمات أو ميليشيات طائفية أو عرقية أو مذهبية.
وكذلك حرصت مصر على دعم الطموحات المشروعة لشعوب الدول العربية التى تمر بأزمات، من خلال التمسك بأن يتم ذلك عبر تحديث وتطوير مؤسسات الدولة الوطنية وليس على أنقاضها، وعلى أساس مفهوم المواطنة لا الولاءات الأولية، طائفية كانت أو عرقية أو مذهبية.
ومع تفاقم الأوضاع فى المنطقة بعد تجدد الصراع الفلسطينى الإسرائيلى فى أعقاب انطلاق عملية طوفان الأقصى فى السابع من اكتوبر 23 وما تلاها من مجازر ارتكبها الاحتلال الإسرائيلى ضد الشعب الفلسطينى الأعزل لاسيما فى غزة كانت مصر كعادتها السند والداعم للأشقاء، بل وكانت حائط الصد المتين ضد محاولات تهجير الفلسطينيين من أرضهم وافشلت مخططات الكيان الصهيونى لتصفية القضية الفلسطينية ، واستمرت فى سعيها حتى تم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار وتسعى حاليا لبدء عملية إعمار قطاع غزة والمدن الفلسطينية التى اضيرت جراء العدوان الإسرائيلى الغاشم .
وعلى نفس المنوال كانت مصر الداعم والمساند للاشقاءفى دول الخليج والأردن ولبنان والعراق بعد نشوب الحرب بين الكيان الإسرائيلى وأمريكا من جانب وإيران من جانب آخر وتداعياتها على المنطقة لاسيما دول الخليج بعدما هاجمتها إيران بدعوى ضرب القواعد الأمريكية هناك وهو ما ادانته مصر منذ اليوم الأول مؤكدة أن أمن دول الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى .
ولعل خير دليل على ذلك الجولة المكوكية التى قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسى لدول الخليج رغم اشتعال الأوضاع وتبادل إطلاق الصواريخ بين أطراف الصراع وما كان يمثله ذلك من خطر ولكنها مصر وقيادتها الحكيمة والشجاعة التى لا تبخل بالغالى والنفيس من أجل دعم ومساندة الأشقاء .
فى ذات الوقت واصلت مصر سعيها الحثيث بالتعاون مع عدد من الدول الصديقة و الشقيقة من أجل التوصل إلى حل للازمة التى باتت تهدد دول المنطقة، ولن ابالغ إذا قلت العالم أجمع خاصة فيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية بسبب الارتفاع الجنونى فى أسعار الطاقة جراء توقف العمل فى معظم مصافى وآبار النفط والغاز فى دول الخليج وإيران والعراق، علاوة على توقف العمل بشكل كبير داخل مضيق هرمز والخليج العربى الذى يسهم بثلث مصادر الطاقة فى العالم .
أخيرا وليس آخرا أؤكد أن زيارة الرئيس السيسى لدول الخليج فى هذا التوقيت الصعب سيكون لها تأثير ايجابى على المشهد العام وبدء حدوث انفراجة فى الموقف المتأزم خاصة وأن القاهرة تمتلك قنوات اتصال فاعلة مع كافة الأطراف المنخرطة فى تلك الحرب، ولعل خير دليل على ذلك ما سمعناه عن وجود مبادرة مصرية تركية باكستانية لنزع فتيل الأزمة، وذهب البعض أن تراجع الرئيس الأمريكى ترامب عن ضرب محطات الكهرباء والطاقة فى إيران جاء نتيجة لهذه المبادرة وربما نشهد خلال الساعات القادمة وقفا لإطلاق النار كبداية لتوقيع اتفاق بين طرفى الصراع .









