> الأيام الأربعة المنسية، هى أربعة أيام من شهر مارس 1989.. وهى تقع بين يوم 15 مارس حيث خرجت إسرائيل من طابا رسميا وفعليا وأنزل علمها من فوق طابا.. ورفع جنود مصر البواسل علم مصر على آخر نقطة فى حدود الوطن.. فى طابا العائدة من الأسر.. وعادت نقطة الحدود رقم 91 إلى المكان الذى وضعت فيه عام 1906 عقب أزمة طابا الأولى بين مصر تحت الاحتلال البريطانى وفلسطين تحت الخلافة العثمانية على الحدود بين مصر وفلسطين.. ومن ثم كان إعادة ترسيم الحدود من رفح حتى طابا.. انتهاء بالعلامة رقم 91 على قمة الجبل المطل على خليج العقبة حلا لمشكلة ترسيم الحدود.. وقد تعمد الاحتلال الإسرائيلى زحزحة العلامات عن مواقعها ليكتسب أرضا جديدة وعلى رأسها العلامة 91 وزحزحت جنوبا مائة متر ليضيف إلى إيلات هذه الأمتار ليوسع فى مساحتها الضيقة مقتطعا بذلك نحو كيلو متر مربع من أرض مصر.. ولم تتضح هذه النوايا بشكل رسمى لمصر إلا فى مارس 1982.. قبل أسابيع من موعد الانسحاب النهائى من سيناء فى أبريل 1982.. لكن مصر لم تقبل باقتطاع طابا من أرضها.. ومن ثم دخلت فى التحكيم فى عام 1986 الذى انتهى لصالح مصر بصدور حكم هيئة التحكيم فى جينيف فى 29 سبتمبر 1988 ثم خرجت إسرائيل من طابا فى 15 مارس 1989..
>>>
> ولكنى وقد قدر لى أن أشهد انسحاب إسرائيل من طابا فى 15 مارس 1989.. قدر لى أيضا أن أعرف بنوايا إسرائيل فى الاحتفاظ بطابا فى ديسمبر 1981.. قبل أن تفصح عنها رسميا.. وقد كتبت ذلك فى مقال لى نشر فى ذلك الشهر فى تغطيتى لمؤتمر سياحى امريكى يسمى «باوواو Pow wow وهما كلمتان بلغة السكان الأصليين لأمريكا تعنى تجمعوا.. وكنت أشارك فيه سنويا حتى عام 2001.. وكان يعقد كل سنة فى مدينة أمريكية مختلفة.. فى ذلك المؤتمر التقيت بأحد من أعرفهم من الصحفيين الأمريكان وفاجأنى بأنه يريد أن يقدمنى إلى شخص سوف يتسبب فى أزمة كبيرة لمصر.. وقد رويت هذا من قبل ولكننى اكرره اليوم لأخرج منه بمعلومة جوهرية ورئيسية.. عرفتها فى ذلك المؤتمر فى ديسمبر عام 1981..
> وفى هذا اللقاء عرفت أن إسرائيل كانت تعرف أن طابا مصرية وأنها اعتزمت الاستيلاء عليها بتزوير علامات الحدود.. وهو ما قاله لى «باشادو».. وهو يهودى مصرى من الاسكندرية وهاجر إلى اسرائيل فى عام 1959.. وهو صاحب فندق سونستا الذى بناه على أرض طابا.. واضطرت مصر إلى دفع ثمنه المبالغ فيه ضمن مفاوضات خروج إسرائيل من طابا بعد التحكيم..
> قال «باشادو » إنه قال لـ«بيجين» رئيس وزراء إسرائيل فى ذلك الوقت لماذا نبنى على هذه الأرض ونحن سننسحب منها؟ فدعاه بيجين إلى بناء الفندق على أرض طابا لأن إسرائيل لن تتركها وستضمها إلى إيلات..
> ولما قلت له ولكنكم ستنسحبون لا محالة.. وسنأخذ الفندق.. فقال ابدا.. وإذا حدث سأنسفه.. وقد حدث الانسحاب.. أما النسف فلم يحدث وإنما باشادو ظل يساوم حتى اللحظة الأخيرة من ليلة الانسحاب من طابا فى زيادة ثمن الفندق.. وكان رئيس وفد مصر المفاوض فى هذه المفاوضات الراحل العظيم فؤاد سلطان وزير السياحة والطيران المدنى فى ذلك الوقت..
>>>
> أما عن الانسحاب فى 15 مارس 1982.. فقد تواجدت فى فندق سونستا فى طابا منذ 14 مارس 1982 قبل الانسحاب.. وكانت المفاوضات تجرى حول ثمنه وثمن قرية نيلسون المجاورة له.. حتى ساعة متأخرة من الليل..
> قبل ظهر اليوم التالى 15 مارس.. وكان يوم اثنين.. بدأت الاستعدادات لرحيل آخر جنود الاحتلال عبر الأسلاك على الحدود بعد أن أعيد ترسيمها طبقا للموقع الأصلى للعلامة 91..
> وبدأنا نسمع صراخا وعويلا.. واتضح أنه صوت المجندات الاسرائيليات يصرخن ويبكين ويحاولن عدم الانسحاب.. ولكن قادتهم نهروهم «وجرجروهم» فعلا لكى يخرجوا.. بينما ألسنة النار والدخان ترتفع فى المنطقة نتيجة إطارات السيارات التى أشعلها المنسحبون احتجاجا على انسحابهم..
> وفى الساعة الثانية عشرة أنزل جنود إسرائيل علمهم من على سارية العلم فوق طابا وانسحبوا إلى الوراء عبر خط الحدود.. بينما كانوا جنودنا البواسل يرفعون علم مصر على سارية خفاقة عبر الحدود.. وارتفعت هذه المرة زغاريد أعداد كبيرة من المصريات المتواجدات فى طابا وخاصة من كن قد جئن ليعملن فى الفندق..
>>>
> هكذا انسحبت إسرائيل وتركت طابا بعد نحو سبع سنوات من استكمال انسحابها من سيناء.. وبعد نحو 16 عاما من الاحتلال.. خرج الاحتلال من طابا ورفع علم مصر على الحدود فى 15 مارس 1989.. ولكن حدد يوم 19 مارس للاحتفال الرسمي.. حيث جرت تهيئة ساحة العلم فى طابا وأقيم السارى الذى تولى الرئيس الراحل حسنى مبارك رفع العلم عليه فى ذلك اليوم بحضور ممثلين لمختلف فئات شعب مصر.. وهكذا أغفلت مصر الموعد الحقيقى للانسحاب واختارت يوم 19 مارس 1989 بعد أربعة أيام لتحتفل بعودة طابا.. وتنسى أربعة أيام كانت فاصلا بين تاريخ الانسحاب الحقيقى والموعد الذى أصبح يحتفى فيه بالانسحاب كل عام.. بينما الانسحاب لم يتم فيه..
>>>
> نجحت مصر فى إجلاء الاحتلال عن سيناء فى موعده.. ونجحت فى استعادة طابا من خلال التحكيم بفضل إدارتها لمعركة التحكيم بكفاءة دبلوماسييها وضباطها وأساتذة القانون والجغرافيا والتاريخ.. واستعانتها بالوثائق البريطانية والتركية وشهود العيان..
> باختصار لم تترك مصر ثغرة إلا وسدتها ولم يكن أمام المحكمين إلا الحكم بأحقية مصر فى منطقة طابا.. مع ذلك فقد ماطلت إسرائيل نحو ستة أشهر حتى انسحبت.









