- والدي رفض دخولي الفن.. وعملت راقصًا في بداياتي
- «فرصة أخيرة» طرح قضية شائكة.. وناقش صراع المبادئ بين القانون والعائلة
- شخصية القاضي يحيى ليست لها أي علاقة بجدي
- اللجان الإلكترونية أشعلت الحرب بين الفنانين والمشاهدين
- حماية التراث الفني ضرورة للحفاظ على هوية مصر
- الفن المصري خط الدفاع الأول عن الهوية الثقافية
- يوسف شاهين كان أبي الروحي.. واختلفت معه في «إسكندرية نيويورك»
- رفضت «الوسية» في البداية.. ودوري في «الإمبراطور» كان نقطة تحول
في سماء الفن المصري، قليلون هم من يجمعون بين العمق الإنساني والفن الراقي، بين الجرأة والصدق، وبين التجربة الغنية والأصالة التي لا تُساوم. ووسط هؤلاء، يضيء نجم محمود حميدة كواحد من أعمدة السينما المصرية، فنان حمل على كتفيه عبء تقديم أدوار معقدة وصعبة، لكنه فعل ذلك دائمًا بشغف لا يعرف التنازل.

حميدة ليس مجرد ممثل، بل رحلة فنية متكاملة، وتجربة غنية تتجاوز حدود الشاشة لتصل إلى وجدان المشاهد، لتروي قصص الحياة بكل تناقضاتها وألوانها، بحساسية فنية دقيقة وروح إنسانية صادقة. وعلى مدار عقود، نجح في أن يخلق عالمه الخاص؛ عالمًا تتقاطع فيه الدراما مع الواقع، وتصبح فيه الشخصية الفنية نافذة على حياة حقيقية تحمل معها التجربة والوعي والفن الراقي.
وفي هذا الحوار مع «الجمهورية»، نكشف الستار عن الإنسان وراء الفنان، ونغوص في أفكاره ورؤاه وتجاربه، ونكتشف كيف حافظ على مكانته كأيقونة للفن المصري المعاصر. كم يتحدث عن مسلسله «فرصة أخيرة» الذي عرض في رمضان وحقق نجاحا كبيرا وكشف من خلاله كيف يواصل تقديم أدوار تلامس القلب والعقل في آن واحد.
- في البداية لعبت في المسلسل دور قاضٍ، وهي نفس مهنة جدك لوالدتك، فهل استحضرت سمات شخصيته أثناء تحضيرك للدور؟
في البداية أحب أن أؤكد أن جدي كان مثالًا للنزاهة والهيبة والسمعة الطيبة في الأوساط القضائية والاجتماعية، إلا أنني أتبنى مبدأ عدم اللجوء إلى أي شخص لاقتباس شخصياتي الفنية منه، وهذا المبدأ لم أغيّره منذ بداية عملي بالفن وحتى يتوفاني الله.
كما أن جدي، رحمه الله، كان صارمًا جدًا، ولم يكن من السهل التحدث معه، إضافة إلى أنه كان يعاني من مشاكل في السمع. والبروتوكول الذي أتبعه في تجسيد شخصياتي الفنية هو أن أتصور البروفايل الخاص بالشخصية وأتقمصها وفقًا لخيالي أنا.
«صراعات نفسية»
- المسلسل كان مليء بالصراعات النفسية؟

بالتأكيد. مسلسل «فرصة أخيرة» يعد من ضمن أعمالي المميزة، حيث أن فكرته دارت حول تساؤلات مهمة، منها: هل يمكن للإنسان أن يساوم على مبادئه حين يتعلق الأمر بأحبائه؟
ومن هو الأحق بالمحبة: القاضي الوضعي الذي يحكم بالقانون الذي وضعته الدولة، لكنه يقابل بالعداء من عائلته وأحبائه بسبب نزاهته التي قد تعرضهم للمخاطر، أم القاضي الشعبي الذي يتبنى قانون الغاب ويضحي بالجميع مقابل عائلته وأحبائه؟
هذه المعضلة منحت العمل بعدًا إنسانيًا تجاوز حدود الشكل التقليدي لمسلسلات الإثارة والتشويق، كما أن الجمهور كان متشوق لمعرفة باقي الاحداث وعاشر مع شخصية القاضي ليرى تفاصيلها التي تتكشف مع تصاعد التهديدات وتضييق الخناق عليه.
- صف لنا شعورك بعد أن سجل مسلسل «فرصة أخيرة» نجاحًا كبيرًا؟
أكيد أنا سعيد للغاية، فهو مسلسل يستحق النجاح، وأشكر الجمهور لأنه تقبل العمل وفهم أبعاده والمعضلة التي يقوم عليها البناء الدرامي، وهذا يدل على أن الشعب المصري شديد الذكاء وعلى قدر كبير من الوعي.
«السيد الجمهور»
- من الملاحظ أنك دائمًا تطلق لفظ «السيد الجمهور» على المشاهدين.. ما السبب في ذلك؟
السبب بسيط جدًا، فنحن كفنانين نعمل لصالح الجمهور؛ فهم من يصنعون النجم وهم من يسقطونه. فالفن في الأصل خُلق لإمتاع وإسعاد الجماهير، وهو وسيلة ترفيه في الأساس، وأحيانًا يتم تطويعه لخدمة قضايا مجتمعية، لكنه في جوهره وسيلة للترفيه.
- هناك حرب محتدمة بين عدد من نجوم رمضان حول من هو صاحب أعلى أجر وأعلى نسبة مشاهدة.. ما رأيك في ذلك؟
أنا ضد هذا الكلام. كما قلت من قبل، السيد الجمهور هو من يحدد. وأرى من وجهة نظري أن السبب في هذه الحملات يأتي من أصدقاء هؤلاء الفنانين واللجان الإلكترونية التابعة لهم، حيث يوهمونهم بذلك، والنتيجة أن المشاهدين ينصرفون عن متابعة أعمالهم.
وأنا أفتخر أنني لم ولن أمتلك لجانًا إلكترونية. فأنا أعرف نسبة المشاهدة من الناس في الشارع، ومن متابعة التعليقات على صفحتي على وسائل التواصل الاجتماعي التي أقرأها بنفسي، والحمد لله كانت أغلب التعليقات إيجابية.

«تحمل المسؤولية»
- هل هناك تشابه بين طريقة تعاملك مع عائلتك في الواقع وشخصية القاضي في المسلسل؟
إطلاقًا. فأنا لا أتدخل في قرارات أبنائي وأحفادي، وأترك لهم كامل الحرية في أن يفعلوا ما يشاؤون بشرط تحمل المسؤولية. وفي المقابل، لا يحق لأحد منهم أن ينتقدني أو يتدخل في قراراتي.
وهذا مختلف عن القاضي يحيى في المسلسل، الذي يستخدم ما يمكن أن نسميه «السيطرة الناعمة» للتدخل في قرارات عائلته، ويتقبل غضبهم من تصرفاته.
«تصريحات صادمة»
- لك بعض التصريحات الصادمة التي أثارت ضجة بين جماهيرك، من بينها رفضك الوقوف حدادًا على ضحايا غزة.. ما السبب وراء هذا التصريح؟
بالفعل أعلنت ذلك أمام الجميع أثناء تقديمي للدورة الاستثنائية لمهرجان الجونة في دورته السادسة، والتي حملت شعار «سينما من أجل الإنسانية». وقلت بالتفصيل إنني أرفض الوقوف حدادًا على ضحايا غزة حتى لا ننسى ما ارتكبته قوات الاحتلال الإسرائيلي ضدهم من مجازر.
فالثأر قائم، ولا يجب أن يُنسى، بل يجب التذكير به دائمًا. وجملة «الوقوف حدادًا» أنا أرفضها بشكل عام؛ لأنني أراها واجبًا مفروضًا تجاه الشخص الراحل، ثم يتم نسيانه بعد ذلك، وهذا أمر مرفوض بالنسبة لي.
- أول أعمالك التليفزيونية «حارة الشرفا» وحتى «فرصة أخيرة».. مسيرة تمتد منذ 40 عامًا، صف لنا كيف تطورت خلالها مسيرتك الفنية؟
على مدى عقود طويلة تطورت شخصيتي وأدائي الفني، وأصبحت أكثر اطلاعًا على صناعة الأعمال الفنية، وإلى حد كبير أكثر هدوءًا في التعامل مع الوسط الفني.
فعندما تم اختياري لتمثيل دور مناضل ضد الاستعمار البريطاني في مسلسل «حارة الشرفا»، كنت وقتها أعمل راقصًا في فرقة الفنانين المتحدين، وقد تحدثت مع مخرج العمل أحمد خضر بشكل غير لائق، رغم أنه دخل في مشادة مع قطاع الإنتاج بالتليفزيون لاعتراضهم على اختياري، حيث كنت وقتها مقترنًا بالمسرح والرقص على خشباته ووجهًا غير معروف لمشاهدي التليفزيون.
لكنني بعد ذلك تقبلت الدور، وكان بداية انطلاقي في عالم التمثيل وترك الرقص.

«اعتراض»
- ما مدى صحة اعتراض والدك على عملك في الوسط الفني، وأنه لم يتم التصالح بينكما حتى وفاته؟
هذا صحيح إلى حد كبير. فوالدي، رحمه الله، كان عمدة قرية منيل السلطان بمركز أطفيح، وكنت الابن الأكبر له، وكان يرغب في أن أتبوأ منصبًا مهمًا من وجهة نظره.
ورغم أنني عملت بالتجارة منذ طفولتي، فإن عائلة أمي كانت من الطبقة الأرستقراطية. وبعد تخرجي في كلية التجارة صارحت والدي برغبتي في أن أصبح راقصًا، فاعترض بشدة، لكنني أصررت، فأنا عنيد جدًا.
وكنت شديد التفاخر بمهنتي أمام أهل والدي وأصدقائه، حتى إنني طبعت كروتًا عليها اسمي ومهنتي ووزعتها عليهم. وأتذكر أن والدي، رحمه الله، لم يتحدث معي لمدة خمس سنوات. وبعد التصالح عدنا واختلفنا مرة أخرى.
وخلاصة الأمر أن علاقتي بوالدي كانت متوترة للغاية، لكن هذا لم يمنع محبتي الشديدة له. وهو الوحيد مع أمي الراحلة الذي أدين لهما بالاعتذار عما سببته لهما. أما غير ذلك، فأنا لا أعتذر لأحد مطلقًا.
- إذا عاد بك الزمن.. هل كنت تفضل رضا والدك عن اشتغالك بالفن؟
إطلاقًا. أنا لا أندم مطلقًا، فجميع قراراتي نابعة من تفكير عميق، وإذا عاد بي الزمن فسأخوض رحلتي في الحياة كما كانت دون تغيير.
- هل صحيح أنك رفضت في البداية دورك الأيقوني في مسلسل «الوسية»؟
بالفعل. فقد رشحتني للدور الفنانة الراحلة ثناء يونس، وتلقيت اتصالًا من المخرج إسماعيل عبدالحافظ لتصوير دور الخواجة اليوناني «تاكي»، لكنني رفضت بشدة لأن تركيزي في تلك الفترة كان منصبًا على العمل السينمائي، خصوصًا بعد النجاح الكبير لأول أفلامي «الإمبراطور».
كما كنت قد تعاقدت على فيلم «رغبة متوحشة» مع نجمة الجماهير نادية الجندي. لكنني قبلت الدور بعد أن تحدث معي مؤلف المسلسل د. خليل حسن خليل، الذي انبهر بالشبه الكبير بيني وبين الخواجة «أنتيجونوس» الحقيقي، والذي تم تغيير اسمه في المسلسل إلى «تاكي».
وأتذكر أنه بعد عرض المسلسل كان الجمهور في الشارع يناديني باسم «تاكي».
«الإمبراطور»
- بالحديث عن أول أفلامك السينمائية «الإمبراطور».. كيف كانت كواليس هذا العمل؟
كنت أشعر بسعادة كبيرة عندما رشحتني السيناريست فايز غالي للمنتج طارق العريان للقيام بدور «إبراهيم» صديق الفنان الراحل أحمد زكي في الفيلم.
ولم يكن ذلك أول لقاء بيني وبين أحمد زكي، فقد كنت أعرفه منذ عمله في المسرح، بينما كنت أنا أرقص على خشباته.
وأذكر أن تكلفة الفيلم بلغت 600 ألف جنيه، بينما تجاوزت إيراداته ثلاثة ملايين جنيه من دور العرض ومبيعات الفيديو، وهي إيرادات ضخمة جدًا في ذلك الوقت.
كما طلب مني المخرج طارق العريان مشاهدة الفيلم الأمريكي «Scarface» للفنان آل باتشينو، الذي اقتبس عنه «الإمبراطور»، وتقليد أداء الممثل الأمريكي ستيفن باوير الذي قدم شخصية «ماني» صديق البطل، لكنها الشخصية التي قدمتها أنا في الفيلم، إلا أنني رفضت ذلك بشدة.
- ما مدى صحة أنك كنت بديلًا للفنان الراحل محمود الجندي الذي كان مقررًا أن يلعب دورك؟
هذا صحيح. فقد عرفت هذه المعلومة أثناء التصوير، حيث تم التوقيع مع الفنان الراحل محمود الجندي، إلا أن المخرج طارق العريان شاهدني مع السيناريست فايز غالي وشاهد مسلسل «حارة الشرفا» وأصر على أن ألعب الدور.
وأحب أن أؤكد أن هذا الأمر لم يؤثر على علاقتي بالفنان محمود الجندي، فقد تعاونا بعد ذلك في عدد من الأفلام السينمائية، منها فيلم «الشرس» مع يسرا.

- هناك شائعة تفيد بأنك كنت المرشح الأول لدور خالد الصاوي في فيلم «عمارة يعقوبيان».. ما مدى صحة ذلك؟
ليست شائعة. بالفعل كنت المرشح الأول لهذا الدور، لكن سبب الرفض كان عدم الاتفاق على الأجر، حيث طلبت مليوني جنيه، وهو ما رفضته الشركة المنتجة.
- ما سبب رفض المخرج الراحل حسين كمال العمل معك؟
طبيعة شخصيتي كانت السبب. فقد تعاونت مع المخرج الراحل حسين كمال في فيلم «المساطيل»، وكنت أجسد دور شخص انتهازي.
وخلال تحضير الدور كنت أتجنب التحدث مع الأبطال المشاركين في الفيلم، بل وصل الأمر إلى تجاهل المخرج حسين كمال نفسه، الأمر الذي أزعجه كثيرًا، وكانت تعليماته لي أثناء التصوير تصل عن طريق مساعديه.
وتطور الأمر بعد ذلك حتى قام بتعنيفي، ونصحني بتغيير هذه السلوكيات لأنها قد تؤثر سلبًا على مسيرتي الفنية. ورغم التصالح الذي تم بيننا في العرض الخاص للفيلم، فإننا لم نتعاون مرة أخرى.
- حدثنا عن علاقتك بالمخرج الكبير يوسف شاهين؟
كان بمثابة والدي الروحي. وكانت علاقتي به متوترة إلى حد كبير مثل علاقتي بوالدي الراحل، لكنني كنت أكن له كل الحب والمودة.
فكنت أعترض على طريقته في فرض توجيهاته على الممثل ليصبح نسخة مطابقة له. وقد اشتد الخلاف بيننا أثناء قيامي بتجسيد شخصيته في فيلم «إسكندرية نيويورك»، حيث قدمت الدور بالشكل الذي أراه صحيحًا.
كما أنني في الأساس ضد تجسيد السير الذاتية للمشاهير، فنحن يجب أن نتجه إلى المستقبل لا أن نظل ندور في فلك الماضي، الذي تكمن مهمته في الوعظ حتى لا نكرر الأخطاء نفسها.
ورغم ذلك، فإن هذا الخلاف لم يؤثر على علاقتي بيوسف شاهين، بل على العكس جعلها أكثر قوة.

- أنشأت مؤخرًا شركة لأرشفة التراث الفني المصري باستخدام الذكاء الاصطناعي.. فما الهدف من هذه الخطوة؟
كنت أحلم دائمًا بمشروعات كبيرة لخدمة السينما. فمثلًا حلمت بافتتاح مدرسة لتعليم التمثيل على غرار مدارس النجوم مثل معهد «سيسيل دي ميل» ومعهد «لي ستراسبرج»، لكنني تراجعت عندما علمت أن الأمر يتطلب التفرغ الكامل وترك التمثيل.
أما خطوة إنشاء شركة للأرشفة الرقمية فكانت ضرورية للحفاظ على التراث المصري والهوية الثقافية في زمن العولمة وتغول الذكاء الاصطناعي.
ومن المؤكد أنه بعد عقد من الزمن، أو مع جيل Z، قد لا يكون هناك معرفة كافية بتاريخنا الفني أو هويتنا الثقافية. فمثلًا أطلقت هوليوود ممثلين بالذكاء الاصطناعي لاستبدال النجوم بسبب أجورهم المرتفعة، وهو ما دفع الفنانين إلى تنظيم احتجاجات والتهديد بالانسحاب من الأعمال الفنية.
وقد تراجعت شركات الإنتاج مؤقتًا عن هذه الخطوة، لكنني واثق أنها ستنفذها لاحقًا. ولهذا أقول إنني فنان عاشق للفن المصري والتراث الخالد الذي يشكل هوية مصر، ولذلك أنشأت هذا المشروع للحفاظ على تاريخنا الفني والثقافي من الهجمات الإلكترونية التي تسعى لمحو الهوية الثقافية المصرية.









