«بروكسل» تنسحب بهدوء من ساحة الحرب وترفض دفع الحساب
فى لحظة اشتعال غير مسبوقة، قررت العواصم الأوروبية أن تنجو بنفسها من حرب لا تملك قرارها.. ولا تتحمل كلفتها. ليست هذه المرة الأولى التى تقف فيها أوروبا على حافة حرب تقودها واشنطن.. لكنها ربما المرة الأولى التى تختار فيها التراجع بوضوح.
فمع تصاعد المواجهة «الأمريكية– الإسرائيلية» ضد إيران، لم تهرع العواصم الأوروبية إلى الاصطفاف خلف البيت الأبيض، بل بدت كمن ينسحب بهدوء من مركب يعرف جيدًا أنه يغرق.
كابوس أوكرانيا لا يزال يراود بروكسل، وفاتورة الطاقة لم تُسدد بعد، والأسواق لم تتعافَ من صدمة الحرب السابقة.
لم يعد الخلاف بين ضفتى الأطلنطى مجرد اختلاف فى وجهات النظر، بل تحول إلى حالة شك متصاعدة فى جدوى التصعيد. فبينما تدفع إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب نحو توسيع المواجهة مع طهران، تتساءل العواصم الأوروبية عن الهدف النهائي، وعن كلفة حرب قد تمتد لسنوات دون أفق واضح. هذا القلق عبّر عنه المستشار الألمانى فريدريش ميرتس حين أشار إلى غياب خطة واضحة لإنهاء الصراع.
الموقف الأوروبى لم يتوقف عند حدود التحفظ، بل وصل فى بعض الحالات إلى الرفض الصريح للمشاركة. ورغم اختلاف اللهجات، تكشف التصريحات الأوروبية عن قاسم مشترك واضح: رفض الانجرار إلى حرب مفتوحة، حتى لو لم يُعلن ذلك بشكل مباشر.
ففى لندن، حرص رئيس الوزراء كير ستارمر على ضبط إيقاع الموقف البريطانى بين التحالف والأمر الواقع، مؤكدًا أن بلاده «تدعم أمن المنطقة وتدافع عن مصالحها لكنها لا تسعى إلى توسيع رقعة الحرب». هذه الصيغة، التى تبدو دبلوماسية، تحمل فى جوهرها رسالة واضحة لواشنطن: الدعم السياسى لا يعنى التورط العسكري.
أما فى برلين، فقد عبّر المستشار فريدريش ميرتس عن موقف أكثر صراحة، حين شدد على ضرورة «منع التصعيد الإقليمى بأى ثمن»، فى إشارة إلى أن ألمانيا ترى فى الحرب خطرًا مباشرًا على استقرار أوروبا، وليس مجرد أزمة بعيدة جغرافيًا. هذا الخطاب يعكس تحوّلًا فى الأولويات الألمانية، حيث تتقدم الحسابات الاقتصادية وأمن الطاقة على الاعتبارات السياسية التقليدية.
فى باريس، حاول الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون الحفاظ على التوازن، داعيًا إلى أقصى درجات ضبط النفس وفتح قنوات الحوار مع طهران، فى استمرار للدور الفرنسى الذى يميل إلى الوساطة بدل المواجهة. فرنسا هنا لا تعارض واشنطن، لكنها تحاول عمليًا على تعطيل مسار التصعيد عبر الدفع نحو الحلول الدبلوماسية.
الموقف الإسبانى جاء الأكثر حدة بين العواصم الأوروبية، حيث لم يتردد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز فى إعلان رفضه الصريح للحرب، مؤكدًا أن بلاده «لن تكون جزءًا من أى تصعيد عسكرى فى الشرق الأوسط»، وهو ما يعكس تحوّلًا أعمق داخل بعض الدول الأوروبية، من التحفظ إلى الرفض العلني، وهو ما يفتح الباب أمام انقسام أوروبى داخلى حول حدود العلاقة مع واشنطن.
كذلك أعلنت رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلونى أن إرسال سفن حربية إيطالية إلى مضيق هرمز استجابة لدعوة ترامب ،سيكون بمثابة خطوة إلى الأمام نحو التورط فى الحرب ، موضحة ان إيطاليا ليست فى حالة حرب مع أى طرف، بينما أكدت إسبانيا أنها لن تقوم بأى عمل من شأنه تصعيد الصراع.
وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، حاولت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين صياغة موقف جامع، ركز على ضرورة حماية الاستقرار العالمى وتجنب صدمات جديدة فى أسواق الطاقة.
لم تتوقف أوروبا عند حدود التصريحات، بل ترجمت مواقفها إلى خطوات عملية تعكس هذا الحذر. فقد امتنعت عدة دول عن تقديم دعم عسكرى مباشر، ورفضت توسيع نطاق العمليات أو استخدام أراضيها كنقاط انطلاق لأى تصعيد ضد إيران. هذا الانسحاب الهادئ هو انعكاس لاستراتيجية أوروبية تقوم على تفادى التورط دون كسر التحالف.
فى الوقت نفسه، كثّفت العواصم الأوروبية تحركاتها الدبلوماسية، فى محاولة لفتح قنوات تواصل مع طهران واحتواء الأزمة قبل انفجارها. هذا التحرك لا يسعى فقط إلى التهدئة، بل أيضًا لاستعادة دور أوروبى تراجع فى السنوات الأخيرة لصالح الولايات المتحدة.
وبين تصريحات القادة وتحركاتهم، يتشكل موقف أوروبى جديد، أقل اندفاعًا وأكثر تماسكا، يحاول النجاة من صراع يرى فيه الأوروبيون تهديدًا مباشرًا لمصالحهم.
وراء هذه المواقف، تختبئ حسابات أكثر تعقيدًا من مجرد خلاف سياسي. أوروبا التى خرجت مثقلة من حرب أوكرانيا التى لم تضع أوزارها بعد، تدرك أن أى اضطراب جديد فى الشرق الأوسط سيعنى موجة جديدة من ارتفاع أسعار الطاقة، وضغوطًا إضافية على اقتصادات لم تتعافَ بعد. لذلك، لم يكن تحذير رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين من الاعتماد على مصادر طاقة غير مستقرة مجرد تصريح عابر، بل رسالة سياسية واقتصادية فى آن واحد.
هذا القلق يتضاعف مع إدراك أوروبى متزايد بأن اندلاع مواجهة واسعة مع إيران قد يعيد رسم خريطة النفوذ الدولى بطريقة تمنح روسيا مساحة أكبر للمناورة فى حرب أوكرانيا. فبينما ينشغل الغرب بجبهة جديدة فى الخليج، قد تجد موسكو فرصة لتثبيت مكاسبها أو حتى توسيعها، وهو سيناريو يثير قلقًا عميقًا داخل العواصم الأوروبية.
فى بروكسل، يتحول هذا القلق إلى تحركات دبلوماسية مكثفة تهدف إلى احتواء التصعيد. فبدلًا من إرسال السفن الحربية، تسعى أوروبا إلى إعادة إحياء مسار التفاوض مع طهران، وطرح مبادرات لحماية الملاحة دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. هذا النهج يعكس محاولة واضحة للتمسك بدور «الوسيط» بدل «الطرف»، فى تحول لافت.
ورغم أن هذا التباعد لا يرقى إلى قطيعة كاملة مع واشنطن، فإنه يكشف عن تصدع متزايد داخل التحالف الغربي. أوروبا لم تعد مستعدة لدفع ثمن قرارات لا تتحكم فى صياغتها، ولا لخوض حروب لا ترى فيها مصلحة مباشرة. وبينما تستمر الولايات المتحدة فى الدفع نحو التصعيد، تكتفى العواصم الأوروبية بمراقبة المشهد من مسافة محسوبة، فى محاولة لتفادى السقوط فى مستنقع جديد.
رفض أسيوى واسع للانخراط فى «تحالف ترامب»
حسابات المصالح تقود مواقف الصين واليابان وكوريا والهند

كتب – محمد زكى:
مع اتساع دائرة الحرب فى الخليج وتزايد الضغوط الأمريكية لتشكيل تحالف دولى لحماية الملاحة فى مضيق هرمز، بدأت ملامح مرحلة جديدة من التوازنات الدولية تظهر بوضوح، خصوصًا فى آسيا. فبعد التردد الأوروبى فى الانخراط العسكري، جاء الدور على القوى الآسيوية الكبرى التى بدت أكثر حذرًا فى الاستجابة لنداءات واشنطن، مفضلة الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والسياسية فى المنطقة.
ويشير مراقبون إلى أن هذا الرفض الآسيوى يعكس تحولًا مهمًا فى النظام الدولي، حيث لم تعد الاستجابة لدعوات الولايات المتحدة أمرًا تلقائيًا كما كان الحال فى عقود سابقة.
كانت الصين فى مقدمة الدول التى رفضت المشاركة فى أى تحالف عسكرى تقوده الولايات المتحدة فى الخليج. ويرتبط هذا الموقف بعدة اعتبارات إستراتيجية.
فالعلاقات بين الصين وإيران شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا، خاصة بعد توقيع اتفاقية تعاون استراتيجى طويلة الأمد تشمل مجالات الطاقة والبنية التحتية والاستثمار كما تعد إيران أحد الموردين الرئيسيين للطاقة للصين، وهو ما يجعل بكين حريصة على تجنب أى خطوات قد تؤدى إلى توتر علاقاتها مع طهران.
تنظر الصين إلى الأزمة الايرانية باعتبارها صراعًا لا يخدم مصالحها.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة ساوث تشاينا مورنينج بوست، فإن القيادة الصينية ترى أن الانخراط العسكرى فى الخليج قد يجر بكين إلى مواجهة غير ضرورية مع إيران.
الموقف اليابانى لم يكن مختلفًا كثيرًا عن الموقف الصيني، وإن كان أكثر حذرًا فى صياغته الدبلوماسية، فالحكومة فى اليابانية أكدت فى أكثر من مناسبة أنها تفضل الحلول الدبلوماسية لتأمين الملاحة فى الخليج.
ويعود هذا الموقف إلى اعتماد اليابان بشكل كبير على واردات النفط من الشرق الأوسط، بما فى ذلك النفط الإيرانى فى بعض الفترات. ووفقًا لتقارير وكالة كيودو اليابانية للأنباء، فإن طوكيو تخشى أن يؤدى أى تصعيد إلى تعطيل إمدادات الطاقة.
الموقف فى كوريا الجنوبية اتسم كذلك بالحذر، حيث أكدت الحكومة الكورية أنها تتابع التطورات فى الخليج عن كثب لكنها لم تعلن نيتها الانضمام إلى أى تحالف عسكرى فى المنطقة.. ويرى محللون أن سيول تخشى أن يؤدى الانخراط فى الحرب إلى تعقيد علاقاتها الاقتصادية مع دول الشرق الأوسط.
كما أن كوريا الجنوبية تواجه تحديات أمنية فى شبه الجزيرة الكورية، ما يجعلها حريصة على عدم تشتيت قدراتها العسكرية فى صراعات بعيدة جغرافيًا. وذكرت صحيفة كوريا تايمز أن صناع القرار فى سيول يفضلون التركيز على حماية مصالحهم الاقتصادية فى المنطقة.
وفى الوقت الذى رفضت فيه بعض الدول الآسيوية الانخراط العسكري، اتجهت الهند إلى توطيد علاقاتها الاقتصادية مع إيران.فالهند ترى فى إيران شريكًا إستراتيجيًا مهمًا فى مجالات الطاقة والتجارة.
ومن أبرز هذه المشاريع تطوير ميناء تشابهار الإيراني، الذى يتيح للهند الوصول إلى أسواق آسيا الوسطى وأفغانستان.
ووفق تقرير نشرته صحيفة الهندوس الهندية، فإن نيودلهى تعمل على توسيع استثماراتها فى هذا الميناء، باعتباره جزءًا من إستراتيجيتها لتعزيز حضورها الاقتصادى فى المنطقة.
فى الوقت الذى تركز فيه الولايات المتحدة جهودها العسكرية فى الشرق الأوسط، يرى بعض المحللين أن الصين تحاول استغلال هذا الوضع لتعزيز حضورها العسكرى والسياسى.
وقد بدأت بكين تكثيف أنشطتها العسكرية حول تايوان.وتعتبر الصين تايوان جزءًا من أراضيها، فى حين تتمتع الجزيرة بحكم ذاتى وتدعمها الولايات المتحدة.
وبحسب تقارير نشرتها صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، فقد رصدت تحركات عسكرية صينية متزايدة فى محيط تايوان، شملت تدريبات بحرية وجوية واسعة النطاق.
ويرى خبراء أن هذه التحركات تهدف إلى اختبار مدى قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على التزاماتها الأمنية فى آسيا.
وحسب موقع تايوان نيوز. ورصدت وزارة الدفاع الوطنى حتى الآن هذا الشهر، طائرات عسكرية صينية 39 مرة وسفنا 90 مرة.
المواقف الآسيوية من الأزمة فى الخليج تعكس، فى نظر العديد من الخبراء، تحولات أوسع فى طبيعة النظام الدولي. الدول الآسيوية الكبرى أصبحت أكثر ميلًا إلى اتباع سياسات مستقلةفى المجمل، يمكن القول إن المواقف الآسيوية تجاه الحرب فى الخليج تعكس درجة عالية من الحذر. فالقوى الكبرى فى آسيا تدرك أن أى حرب واسعة فى المنطقة قد تؤدى إلى اضطرابات خطيرة فى أسواق الطاقة والتجارة العالمية، وهو ما قد ينعكس سلبًا على اقتصاداتها.









