مع تسارع وتيرة التوتر فى منطقة الخليج، تتصاعد التحذيرات الإيرانية من استهداف سواحلها وجزرها، فى وقت تكثف فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها عملياتهم العسكرية، ما ينعكس بشكل مباشر على أمن الملاحة الدولية ويهدد بتداعيات إنسانية واسعة النطاق.
فقد أعلن مجلس الدفاع الإيرانى أمس، أن أى هجوم على الساحل الجنوبى للبلاد أو جزرها سيقابل بإجراءات تصعيدية تشمل زرع الألغام البحرية فى طرق الملاحة بالخليج، مؤكدًا أن هذا السيناريو سيؤدى عمليًا إلى تعطيل حركة المرور البحرى لفترة طويلة.. وأوضح المجلس، فى بيان نقلته وسائل إعلام رسمية، أن الألغام قد تشمل أنواعًا متعددة، بينها ألغام عائمة يمكن إطلاقها من السواحل، ما يجعل تأمين الممرات البحرية أكثر تعقيدًا.
وأشار البيان إلى تجارب سابقة خلال ثمانينيات القرن الماضي، حين فشلت أكثر من 100 كاسحة ألغام فى إزالة عدد محدود من الألغام، فى إشارة إلى صعوبة التعامل مع هذا النوع من التهديدات. كما شدد على أن مرور السفن غير التابعة لدول مشاركة فى النزاع عبر مضيق هرمز سيظل مرهونًا بالتنسيق مع طهران.
فى المقابل، كشفت تقارير عن دراسة فى الولايات المتحدة لخيارات عسكرية للضغط على إيران، من بينها خطط لاحتلال أو فرض حصار على جزيرة خرج، التى تُعد مركزًا رئيسيًا لتصدير النفط الإيراني، بهدف إجبار طهران على ضمان حرية الملاحة فى مضيق هرمز.
ورغم هذه التهديدات، أكدت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» أن المضيق لا يزال مفتوحًا من الناحية الفنية، إلا أن الواقع العملى يشير إلى تراجع كبير فى حركة الملاحة. وأوضح الأدميرال براد كوبر أن السفن تتجنب العبور بسبب المخاوف من التعرض لهجمات بطائرات مسيّرة أو صواريخ، مشيرًا إلى أن القوات الأمريكية تعمل بالتعاون مع حلفائها على تأمين الممرات البحرية من خلال إضعاف القدرات الإيرانية.
وكشف كوبر أن العمليات العسكرية الجارية أسفرت عن تدمير أو إلحاق أضرار بنحو 140 سفينة مرتبطة بإيران منذ بدء الحملة، مؤكدًا أن وتيرة العمليات تسير وفق الخطة أو أسرع منها. كما لفت إلى تنسيق مستمر مع إسرائيل فى استهداف البنية التحتية المرتبطة بإنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، بهدف تقليص مصادر التهديد على المدى البعيد، مع بقاء قرار إنهاء العمليات بيد القيادة السياسية فى واشنطن.
بالتوازى مع هذا التصعيد العسكري، بدأت تداعيات الأزمة تنعكس بشكل حاد على الأوضاع الإنسانية عالميًا.. فقد حذر برنامج الأغذية العالمى التابع للأمم المتحدة من خطر وشيك يتمثل فى تعطل إمدادات غذائية أساسية لملايين الأشخاص، نتيجة اضطراب سلاسل النقل البحري.
وكشفت تقارير دولية أن نحو 70 ألف طن من المساعدات الغذائية، تشمل مواد أساسية مثل القمح والبقوليات والأطعمة المعلبة، باتت عالقة فى عرض البحر أو فى موانئ مختلفة، بسبب إغلاق المسارات التقليدية وارتفاع المخاطر الأمنية. ومن بين هذه الشحنات، نحو 21 ألف طن من القمح كانت موجهة إلى جنوب اليمن، لكنها لا تزال محتجزة فى موانئ عمان.
كما دفعت التهديدات الأمنية شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، حيث تم تحويل العديد من الرحلات عبر رأس الرجاء الصالح بدلًا من المرور عبر الخليج والبحر الأحمر، ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات وتكاليفها بشكل كبير، فضلًا عن ارتفاع أقساط التأمين على السفن.
وفى ظل تعطل الطرق البحرية، لجأ برنامج الأغذية العالمى إلى بدائل برية أكثر تعقيدًا وكلفة. ففى أفغانستان، على سبيل المثال، يتم نقل المساعدات عبر مسار طويل يمر بعدة دول، من بينها السعودية والأردن وتركيا، فى رحلة تستغرق أسابيع إضافية وتضاعف تكاليف النقل.
وحذرت الأمم المتحدة من أن استمرار هذه الاضطرابات قد يدفع نحو 45 مليون شخص إضافى إلى دائرة الجوع الحاد خلال الأشهر المقبلة، لينضموا إلى أكثر من 318 مليون يعانون بالفعل من انعدام الأمن الغذائي. كما ساهمت الأزمة فى ارتفاع أسعار الغذاء فى بعض الدول، حيث سجلت زيادات تصل إلى 20 ٪ فى مناطق مثل الصومال، نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود والنقل.
وتتفاقم التحديات مع وجود فجوة تمويلية كبيرة فى برامج الإغاثة، إذ يحتاج برنامج الأغذية العالمى إلى نحو 13 مليار دولار هذا العام لمساعدة 110 ملايين شخص، بينما لم يحصل فى العام الماضى سوى على 6.4 مليار دولار، ما اضطره إلى تقليص نطاق عملياته.
فى ظل هذه المعطيات، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التعقيد، حيث يتقاطع التصعيد العسكرى مع التحديات الاقتصادية والإنسانية، فى مشهد يعكس مدى ترابط الأمن الإقليمى مع الاستقرار العالمي، ويضع المجتمع الدولى أمام اختبار حقيقى لاحتواء تداعيات واحدة من أخطر الأزمات الراهنة.









