لم تعد الحروب اليوم مجرد معارك عسكرية تُحسم بالسلاح، بل غدت ظاهرة مركّبة تمتد تداعياتها لتطال كل بيت وكل اقتصاد وكل قرار.. منذ اشتعال النيران فى غزة أواخر عام 2023، وتصاعد التوترات الإقليمية من البحر الأحمر إلى مضيق هرمز، بات الاقتصاد العالمى يمشى على جَمْرٍ.. وتقف الدول، كبيرها وصغيرها، أمام معادلة بالغة التعقيد: كيف تحافظ على ما تبقى من استقرار فى ظل عاصفة لم تكن طرفًا فى إشعالها؟
مصر، بموقعها الجغرافى الفريد وارتباطها الوثيق بممرات التجارة الدولية، كانت من أوائل الدول التى دفعت الثمن بشكل مباشر.. فقد خسرت قناة السويس ما يزيد على 12 مليار دولار من عائداتها جراء تحويل السفن مسارها بسبب هجمات الحوثيين فى البحر الأحمر، فيما تكشف البيانات الرسمية أن الرئيس السيسى حذّر شخصيًا اقتراب الصراع من «نقطة خطيرة» مؤثرة على الاقتصاد المصرى، وتزداد الصورة تعقيدًا حين نعلم أن مصر تستضيف نحو 10.5 مليون نازح من مناطق الصراع فى المنطقة، وهو عبء إنسانى ضخم يُضاف إلى الضغوط الاقتصادية.
وفى هذا السياق المتشابك، أعلنت الحكومة المصرية عن حزمة إجراءات مالية تقشفية صارمة، تشمل ترشيد الإنفاق العام فى قطاعات واسعة، وقد قوبلت هذه الإجراءات بتباين فى الردود: بين مؤيد يراها ضرورة حتمية، ومنتقد يخشى تبعاتها الاجتماعية، غير أن ثمة قراءة ثالثة لا تنتبه إليها كثير من التحليلات، قراءة تستلهم من الموروث الفقهى الإسلامى حكمةً متراكمة فى التعامل مع الأزمات، وتجد فى هذه الإجراءات تجسيدًا عمليًا لمبادئ راسخة فى الدين.
الأزمات.. سُنَة كونية
قبل الحديث عن السياسات والإجراءات، ثمة مسألة جوهرية ينبغى استيعابها جيدًا: الشريعة الإسلامية لم تُؤسَّس لزمن الرخاء وحده، حيث قرر القرآن الكريم بجلاء أن التقلّب بين السعة والضيق، بين الأمن والخوف، سنةٌ كونية لا تتبدل، وقد جعل القرآن الكريم بشارة للصابرين، مما يعنى أن الاستجابة الرشيدة للأزمة ذات قيمة روحية وأخلاقية عالية، بل إن القرآن الكريم ذهب أبعد من ذلك حين خص التدبير الاقتصادى فى أزمنة الشدة بنموذج نبوى متكامل، هو نموذج سيدنا يوسف عليه السلام، فقصته ليست مجرد سيرة شخصية، بل نموذج متكامل فى إدارة الأزمة الاقتصادية، وهو ما أدركه الفقهاء والاقتصاديون على حد سواء، فحين فسّر يوسف عليه السلام الرؤيا لمَلك مصر، لم يكتفِ بتفسيرها، بل قَدَّم فورًا خطة عمل متكاملة: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِى سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ}، والدلالة هنا عميقة: الإنفاق المحدود فى وقت الوفرة، وإحكام الادخار، استعدادًا لسنوات العجاف، وما فعله يوسف عليه السلام هو بالضبط ما تحاول الحكومات الرشيدة فعله اليوم: ترشيد الاستهلاك فى لحظة الوفرة والشدة معًا، ومضاعفة الإنتاج وضبط الموارد، كما يقرر الباحثون المعاصرون فى دراساتهم لهذا النموذج القرآنى الفريد، ولقد كان يوسف عليه السلام، كما قال الله عنه: {حَفِيظٌ عَلِيمٌ}، والحفظ هنا ليس مجرد أمانة من السرقة، بل كفاءة فى استغلال الموارد وإدارتها بأقل تكلفة ممكنة.
منهجية إدارة الشدائد
لم يترك الفقهاء المسلمون الساحة للتجريب العشوائى أوقات الأزمات، بل وضعوا منظومة قواعد كلية تساعد على اتخاذ القرارات الصعبة بضمير مطمئن وبصيرة نافذة، وأبرز هذه القواعد: الضرورات، والمقاصد الكلية، وقرر الفقهاء أن المقاصد الكلية للشريعة تندرج فى ثلاث مراتب: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات، وأى سياسة مالية تستهدف حفظ المال والنظام العام، تصبّ فى صميم الضروريات التى لا تستقيم الحياة بدونها، وهذا ما أسس له الإمام الشاطبى فى «الموافقات» بصورة جلية حين ربط ترشيد الموارد الاقتصادية بمقاصد الشارع فى حفظ المصالح العليا للأمة.
ولم يكن الفقه الإسلامى يومًا فقه اللحظة، بل فقه للمآلات والنتائج، وقرر الإمام الشاطبى أن اعتبار مآلات الأفعال جزءاً لا يتجزأ من الاجتهاد، ومن ثم فإن المجتهد لا ينظر فى ظاهر الحُكم فحسب، بل يتتبع نتائجه البعيدة، وهكذا فإن سياسة الترشيد، وإن بدت ظاهرها إجراءات مؤلمة، تحمل فى باطنها بذور الاستقرار المستقبلى.
قاعدة الأخذ بالأسباب والتوكل
بعض الناس يظنون أن التوكل على الله يعنى التخلى عن التخطيط، غير أن الفقه الإسلامى يقرر عكس ذلك تمامًا، فقد روى أنس بن مالك رضى الله عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله، أترك ناقتى وأتوكل؟ قال: «اعقلها وتوكل» بما يرسى مبدأ الجمع بين الأخذ بالأسباب والإيمان بالقدر، وهو مبدأ يُلزم الدولة الرشيدة بالتخطيط الدقيق وترشيد الموارد فى أزمنة الشدة، والحديث عن الفقه والمقاصد يبدو أجمل وأيسر حين يبقى نظريًا، لكن المشهد الاقتصادى الراهن يفرض نفسه بأرقامه الصادمة وتداعياته المتسارعة، ليمنح هذا الفقه الأبعاد التطبيقية، فعلى الصعيد الدولى، رصد البنك الدولى أن الحروب والتوترات التجارية أدت إلى تباطؤ النمو فى ثلثى الاقتصادات النامية خلال 2025، متوقعًا نموها بـ3.8 % فقط، فى أدنى مستوياتها منذ أزمة 2008، وقفزت مدفوعات الفائدة على ديون دول الجنوب لتبلغ رقمًا قياسيًا بلغ 415.4 مليار دولار فى عام 2024 وحده، فيما حذّر خبراء الأونكتاد أن الاقتصاد العالمى يقف على أعتاب ركود حقيقى.
وفى مصر تحديدًا، تضافرت ضغوط متعددة فى آن واحد: انهيار إيرادات قناة السويس التى خسرت ما بين 10 و12 مليار دولار، وارتفاع فاتورة استيعاب الملايين من النازحين، وتراجع التجارة العالمية، وضغوط صندوق النقد الدولى على الحكومة لوضع «خطة دين واضحة»، وإصدار استراتيجية للحفاظ على الانضباط المالى قبل نهاية 2025، وفى موازنة 2025-2026، باتت الديون وفوائدها تلتهم ما يقارب ثلثى الإنفاق الحكومى المخطط، مما يجعل إجراءات الترشيد ليست رفاهية، بل ضرورة بقاء.
ومع ذلك كله، شهد عام 2025 بوادر تعافٍ حقيقى: فقد ارتفع معدل النمو إلى 4.4-4.5%، وتراجــع التضخــم من 28 % إلى نحو 14 %، ويُتوقع أن يصل النمو بحلول 2026 إلى ما بين 5.5 و5.6 % وهذه المؤشرات الإيجابية ليست وليدة المصادفة، بل هى ثمرة قرارات صعبة اتُّخذت فى الوقت المناسب، وهو تمامًا ما يُقرره فقه المآلات.
قراءة علماء التراث فى مرآة الحاضر
لا يكتمل الحديث عن فقه الأزمات دون استحضار عقول كبرى أسهمت فى بناء هذا الإرث الفكرى الثرى فالغزالى فى «إحياء علوم الدين» ذهب بعيدًا حين قرر أن العقل المصلحى ليس بديلًا عن الشرع، بل امتداد طبيعى له، وقرر أن المصلحة المعتبرة شرعًا ما كانت فى خدمة الكليات الخمس، «حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال»، أما ما عداها من الترف والكماليات، فإنه يُقيّد أو يُعطّل حين يتعارض مع حفظ هذه الكليات، وعلى ذات الخط، أسّس الإمام الشاطبى فى «الموافقات» نظرية متكاملة فى ترتيب المصالح وتحكيمها، مبينا أن الاقتصاد فى الإنفاق وحسن إدارة الموارد ليس ضعفًا فى الهمة، بل من صميم السياسة الشرعية الرشيدة، وقد ذهب بعض الباحثين إلى القول إن الشاطبى سبق الاقتصاديين المحدثين فى الحديث عن التخصيص الأمثل للموارد وضبط الإنفاق حسب الأولويات.
الشرط الذى لا تكتمل الشرعية بدونه
فقه الأزمات لا ينتهى عند الترشيد والضبط المالى ثمة شرط جوهرى لا تقوم الشرعية السياسية والأخلاقية لهذه الإجراءات بدونه، وهو مراعاة الفئات الأكثر فقرا فى توزيع الأعباء،وأن تقترن سياسات الترشيد بصون حقوق الفئات الضعيفة ورعاية مستحقى الدعم، ولهذا يرى كثير من العلماء أن النجاح الحقيقى للسياسات التقشفية لا يُقاس بالأرقام المالية وحدها، بل بمدى قدرتها على الجمع بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية فى آنٍ واحد.
وهذا بالضبط ما أشار إليه الإعلان الحكومى المصرى الأخير عن حزمة تحسينات مرتقبة فى الأجور اعتبارًا من العام المالى 2026/2027، مما يُشير إلى إدراك أن الترشيد ليس نهاية المطاف، بل مرحلة تُمهّد لمستقبل أكثر استقرارًا وعدلًا.
ولعل أعمق ما يُعلّمنا إياه فقه الأزمات فى الإسلام أن المحنة ليست نهاية الرواية، بل فصل من فصولها، وأن فقه التعامل مع الأزمات ليس تراثًا متحفيًا نستحضره للاستئناس فحسب، بل هو منهج حيّ ومتجدد يملك القدرة على قراءة الواقع وتوجيه الفعل. وإن ما تتخذه الدول اليوم من إجراءات ترشيد، فى مصر وفى سائر الدول النامية التى تتقاطع تحدياتها، لا ينبغى أن يُقرأ خارج هذا الإطار الشرعى والأخلاقى العميق.
فالحكمة ليست فى السعة دائمًا، والبلاغة ليست فى التوسع أبدًا، الحكمة الحقيقية أن تعرف متى تبنى ومتى تُرمّم، ومتى تُنفق ومتى تدّخر، والشريعة الإسلامية، بأصولها الكلية وقواعدها الفرعية وشواهدها التاريخية، تمنحنا بوصلة ثابتة لا تتزعزع مهما اشتدت العواصف.
والأمم التى تجتاز أزماتها بصدر رحب وعقل متزن ويد حكيمة، تلك التى تتعامل مع الشدة بفقه لا بردود أفعال، وبإرادة لا بتسليم، وذلك الدرس الأبدى الذى علّمنا إياه يوسف الصديق حين قال لإخوته فى ذروة الأزمة: «لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ»- فالأزمة لا تُدار بالعقاب، بل تُعبَر بالحكمة.









