لا شك أننا ابتلينا فى العقود الأخيرة بغزو فكرى وثقافي، غير منضبط، ولا يناسب عقيدتنا ولا أخلاقياتنا ولا عاداتنا ولا تقاليدنا، وتم التسلل إلى كثير من الثوابت من أبواب شيطانية، والدخول من منافذ إبليسية، بما تهوى الأنفس، ومن قبيل ادعاء مساندة التحرر والدعوة إلى الديمقراطية أو الضرب على أوتار التحضر والتقدم، وبحجة الدفع إلى حياة أفضل، بالتشكيك فى كل الثوابت من الترابط الأسرى إلى التعليم والقيم، وتغييب القدوة، وهدم التجانس المجتمعي، حتى وجدنا تصرفات ممقوتة وممارسات مرفوضة بكل الطرق، وخروجا عن جادة الطريق، وانحرافا عن الخط المستقيم.
وقد كانت أحداث يناير 2011 كاشفة أكثر لذلك، وشجعت أصحاب النفوس الضعيفة والنزعات الممقوتة لتحقيق ما يريدون، ولا بد أن نعترف مجددا أنها أخرجت أسوأ ما فينا ووجدنا معاملات لا تليق بنا مطلقا، سلوكيات غريبة وتصرفات مسيئة، عنفا غير مبرر، وخروجا على المألوف، وتقليد الغرب فيما يعيشه من انفلات أخلاقى وسلوكى لا يعير العلاقات الإنسانية أى اعتبار ولا يهتم بالترابط المجتمعي، ويدعو إلى التفكك بدعوى أن لكل فرد شخصيته وحريته.
ووجدنا فى الفن المستورد- والمحلى أيضا- تشجيعا على ذلك، ودس مفاهيم تخالف كل المباديء والعقيدة، ويناقش قضايا بعيدة عنا ليحاولوا أن يجعلوها واقعا يجب الاعتراف به وتكريسه، وطرحوا موضوعات غريبة ليقنعونا بها وبما وراءها، مع المؤثرات النفسية واستخدام بعض الأشخاص الجهلاء من بنى جلدتنا أو أصحاب الأفكار التى ما أنزل الله بها من سلطان، لتنفيذ.
وجاءت مبادرة «صحح مفاهيمك»، كمشروع وطنى أطلقته وزارة الأوقاف فى سبتمبر الماضي، ويتم تنفيذها من خلال القوافل فى المدارس والجامعات ومراكز الشباب، وعرض فيديوهات على الشاشات، وتستهدف الوصول إلى كافة فئات المجتمع، وتعد جزءاً من استراتيجية شاملة لبناء «إنسان مصرى قوي» يجمع بين الإيمان، والعلم، والانضباط.
ومن خلال قراءة للمبادرة نجد أنها تستهدف تعزيز القيم الإيجابية ومعالجة الظواهر السلبية وأكثر من 40 قضية مجتمعية، مثل الغش، التنمر، العنف الأسري، والانتماء، ورصد السلوكيات ووضع خطة لمعالجتها، وبناء الوعى الوطني، ومواجهة التطرف الاجتماعى أو تراجع القيم، والأفكار المغلوطة، كما تغطى قضايا الغش فى الامتحانات، وتخريب الممتلكات، والخلافات الأسرية، وتعذيب الحيوانات، وإدمان السوشيال ميديا، والتحرش، ومخالفة المرور، والتنمر، والتحرش، وتعاطى المخدرات، والتدخين، والإسراف، والعنف، والتفكك الأسري، والتعصب.
وتستهدف المبادرة تعزيز المقاومة الفكرية والسلوكية ضد محاولات التضليل وتزييف الفكر، وترسيخ ثقافة الحوار وقبول الآخر، وبناء جيل واعٍ يساهم فى تنمية وطنه، وتمثل خطوة مهمة لإعادة بناء وعى جديد يرسخ القيم الأصيلة ويعزز الانتماء، بما يساهم فى إعداد أجيال قوية متدينة بوعي، محبة للعلم والعمل، صانعة للحضارة.
ورغم أن ما تم الإعلان عنه من أن المبادرة تطورت لتصبح مشروعا وطنيًا، تشارك فيه أكثر من 15 جهة، لا أجد الجهود ولا التحركات التى تجعلها تؤتى ثمارها، ونتائجها المرجوة، فلم أعثر إلا على بعض ما تقوم به وزارة الأوقاف صاحبة الفكرة وعلى رأسها الوزير الدكتور أسامة الأزهرى الذى يفكر خارج الصندوق باستمرار.
بكل تأكيد، نحن فى أشد الاحتياج إلى هذه المبادرة الوطنية القومية التى أرى أنها فى غاية الأهمية، ولا يجب أن تفتر الهمم ولا تتراجع عن الاستمرار فيها، مع ضرورة توحيد الجهود بين المؤسسات والأطراف المعنية، والوصول بها إلى الأعماق وإلى كل مكان وفئة، وبأساليب مختلفة ومتطورة وجذابة، فهى بحق ليست مجرد فكرة، بل فعلا مشروع وطنى يستحق أن ينال أكبر قدر من الاهتمام، لتعيد أمور حياتنا إلى طبيعتها بعدما تعرضت للكثير من التقلبات.









