فى 24 مايو 1960 صدر قانون تنظيم الصحافة رقم 156 لسنة 1960 الذى انتقلت بموجبه صحف «الأهرام» و«أخبار اليوم» و«دار الهلال» و«روزاليوسف» للدولة ممثلة فى الاتحاد القومى ومن بعده الاتحاد الاشتراكى العربى.
وكان النظام السياسى لثورة يوليو قد أصدر جريدة «الجمهـورية» فى 7 ديسمبر 1953 لتكون الصوت بالناطق باسم الثورة.
وفى 3 أكتوبر 1963 صدر قرار بالقانون 140 لسنة 1963 بإضافة «شركة دار المعارف للطباعة والنشر» إلى بيان دور الصحف السابقة، وفى 9 نوفمبر 1967 صدر قرار بالحاق شركات: الإعلانات الشرقية والإعلانات المصرية والتوزيع المتحدة بمؤسسة دار التحرير للطبع والنشر.
وفى 19 يناير 1969 صدر قرار آلت بمقتضاه ملكية «دار التعاون» للاتحاد الاشتراكى، بينما كانت وكالة أنباء الشرق الأوسط والشركة القومية للتوزيع تابعتين لوزارة الإرشاد.
وبهذا عرفت مصر مفهوم «المؤسسة الصحفية القومية»، وانتقلت إدارة الصحف من الرؤى الفردية لملاكها وتصوراتهم الشخصية إلى مفهوم «العمل المؤسسى»، وتشكيل مجالس إدارات وجمعيات عمومية تتيح للعاملين بها المشاركة فى إدارتها ومراقبة العمل بها.
صحيح أن التجربة لم تحقق كل المرجو منها، حيؤث ظهرت مشاكل فى التطبيق أفاضت كثير من الدراسات فى شرحه، إلا أن أن القانون 156 مثل نقلة حقيقية فى مفهوم الإدارة من «الفردية» إلى «المؤسسية».

وعلى مدار العقود الماضية، شهد المجتمع تحولات سياسية واجتماعية كبيرة، كان من ثمارها المهمة عودة الصحف الحزبية والخاصة مرة أخرى.
وهكذا تقوم التجربة الصحفية بمصر على 3 أنماط من الملكية، وظلت المؤسسات الصحفية القومية هى الركيزة الأساسية فى نجاح التجربة الصحفية بأكملها، فما من صحيفة – حزبية أو خاصة – شقت طريقها إلى السوق دون أن تكون قد خرجت من إحدى مطابع مؤسسة قومية، وتم توزيعها من خلال شبكات التوزيع التى تملكها مؤسسات: الأهرام وأخبار اليوم، والجمهورية.
ليس هذا فحسب بل أن التجارب الصحفية الخاصة والحزبية قامت على أكتاف وسواعد أبناء المؤسسات القومية بلا استثناء.
ومن أسف أن أغلب من ينتقدون الصحف القومية حاليًا ينطلقون من فرضية خاطئة تنظر لهذه المؤسسات وكأنها عائق فى سبيل نمو وانطلاق صحفهم، وهى رؤية قاصرة وتفتقد لأى منطق علمى لأمرين:
- الأول: أن التجربة الصحفية ترتكز على أنماط الملكية الثلاثة فى إطار رؤية تكاملية تتيح للقارئ مساحات أوسع من المعرفة.
- الثانى: أن المؤسسات القومية بما تملكه من إمكانيات تكنولوجية وطباعية وتوزيعية هى “عمود الخيمة” للصحافة المصرية بأكملها، فلم نر رجل أعمال (أو كونسرتيوم مالى) ممن يقفون وراء الصحف الخاصة قد بادر بانفاق مليار جنيه – مثلا – لتأسيس مطبعة وشركة توزيع، مفضلا الاستفادة بما تتيحه المؤسسات القومية التى لها الفضل الأول فى وجود صحفته بالسوق.
وعلى مستوى المحتوى، تبقى الصحف القومية هى الأكثر مصداقية، وتكشف أرقام التوزيع – رغم ما يعانيه من مشاكل فى العالم كله – أن توزيع صحيفة قومية واحدة يعادل توزيع كل الصحف الحزبية والخاصة بلا استثناء، والسر فى هذا أن القارئ يدرك – ساعة الجد – أن ما ينشر بها يتجاوز هوى رأس المال، أوالرؤى الأيدولوجية الضيقة.
وتبقى نقطة ثالثة مهمة فى هذا النقاش وهى مستقبل الصحيفة الورقية المطبوعة، إن من ينتقدون استمرار المؤسسات القومية فى إصدار صحفها لم يدرسوا جيدًا التجارب الدولية الناجحة التى تعمل وفق نموذج أعمال جديد Business Model ابتكرت من خلاله وسائل تمويل مثل “حائط الدفع Pay Wall أو الدفع مقابل المحتوى، وهى فكرة لم تنجح إلا فى صحف: نيويورك تايمز و”جاديان”، و”وول ستريت جورنال”، و”فايننشيال تايمز”. ولم لم تسقط من حساباتها إصدار الصحيفة الورقية.
وأتوقف هنا أمام نموذج ناجح وهو تجربة “فايننشيال تايمز” التى تعد من أوائل الصحف وأكثرها نجاحا فى تطبيق نظام الاشتراكات الرقمية، فرغم أنها لديها أكثر من مليون مشترك رقمى مازالت تحافظ على النسخة الورقية، حيث قال جون ريدنج الرئيس التنفيذى للمؤسسة: “سنظل مؤمنين إيمانا راسخا بالنسخة المطبوعة، فهى نموذج رائع لا يزال يروق للعديد من القراء والذى يصب فى مصلحة المعلنين”.
أغلب من يتصدون للحديث عن المؤسسات القومية مشكلتهم إما غير دارسين لهذا الملف الفنى، أو لم يعملوا بهذه المؤسسات، وربما لا تتجاوز سنوات خدمة من يتحدث عدد أصابع اليد الواحدة، رغم أن أهل المؤسسات القومية أدرى بشئونها.
إن المؤسسات القومية تواصل دورها القومى انطلاقا من تاريخ عريق، وتخضع فى إدارتها لقواعد صارمة لا تحتمل رفاهية التأجيل بفضل رؤية واضحة يتبناها المهندس عبد الصادق الشوربجى رئيس الهيئة الوطنية للصحافة تعتمد على فكرة المحاسبة الفورية وتطبيق آليات “الحوكمة” بكل ما تستلزمه من قواعد ومعايير.
إن المجتمع المصرى هو السوق الصحفى الأكبر والأكثر اتساعا فى الوطن العربى، فمصر التى يقترب عدد سكانها من رقم 110 ملايين شخص تستحق من المهتمين بشأن الصحافة أن يركزوا جهدهم على بحث سبل الاستفادة من سوق بهذا الحجم، وليس التصارع على البقاء فيه بهذه الطريقة المريضة.









