مرت أيام على احتفالنا بمناسبة تاريخية ففى الخامس عشر من مارس من كل عام لا تكتفى الدولة المصرية بإحياء ذكرى عظيمة كونها تستدعى لحظة فارقة فى مسيرتها الوطنية لحظة استعادت فيها صوتها على الساحة الدولية وبدأت من جديد فى رسم ملامح حضورها المستقل بين الأمم. أتكلم عن يوم «الدبلوماسية المصرية» الذى يعكس فى جوهره قصة إرادة وسيادة كبيرة مقارنة من كونها مجرد مناسبة احتفالية ، ويرتبط هذا التاريخ بعام 1922 حين صدر القرار الذى أتاح لمصر عقب إعلان استقلالها إعادة تأسيس جهازها الدبلوماسى بعد سنوات من التجميد خلال فترة الحماية البريطانية . وعادة لم يكن ذلك إجراء إداريا عاديا ولكن نقطة تحول جارية فعلية بإعلان عودة الدولة المصرية لتتحدث باسم نفسها بإرادة حرة ومن موقع الندية لا التبعية ، ويكتسب الاحتفال هذا العام بعدا إضافيا إذ يتقاطع مع مرور قرنين على البدايات الأولى لتأسيس العمل الدبلوماسى الحديث فى عهد محمد على باشا. ومنذ تلك اللحظة لم تكن الدبلوماسية مجرد جهاز رسمى بالدولة المصرية ولكن تطور تدريجيا حتى أصبح أحد أكثر أجهزة السياسة الخارجية رسوخا وأهمية وخبرة فى منطقة الشرق الأوسط بأكملها . وحقيقة الدبلوماسية ليست بروتوكولات جامدة ولا لقاءات شكلية عابرة قدر كونها إدارة دقيقة للتوازنات وفن تحويل التعقيد إلى فرص والتوتر إلى مساحات تفاهم لتحقيق المصلحة العامة والخاصة فى ذلك الوقت ، كما تعتبر هى الأداة التى تحمى بها الدول مصالحها بلا صدام وتثبت بها حضورها دون استعراض وتؤمن بها مستقبلها بعيدا عن المغامرة. ومن هذا المنطلق تؤدى وزارة الخارجية المصرية دورا يتجاوز التمثيل التقليدى بداية من إدارتها لشبكة واسعة من العلاقات تمتد عبر عشرات الدول وتتعامل مع ملفات شديدة الحساسية بدءا من حماية مصالح المواطنين فى الخارج مروراً بجذب الاستثمارات وصولا إلى الدفاع عن القضايا الاستراتيجية وعلى رأسها الأمن المائى ومكافحة الإرهاب عبر تنسيق المواقف المشتركة . فمن خلال عملى كعضو بلجنة العلاقات الخارجية البرلمانية تيقنت أن هذه المؤسسة ليست مجرد هيكل إدارى عادى لكنها مدرسة صنعت أجيالا من الدبلوماسيين الذين تركوا بصمات واضحة فى تاريخ مصر الحديث وأداروا ملفات معقدة بحرفية عالية بعيدا عن الضجيج ومروراً بجوهر المصلحة العامة الوطنية. كما ترتكز السياسة الخارجية المصرية على مجموعة من الثوابت التى لم تفقد بريقها وتوازنها رغم تغير الظروف من استقلال القرار والانفتاح المتوازن والالتزام بخيار السلام واحترام قواعد النظام الدولى وهى مبادئ تترجم عمليا إلى تحركات نشطة فى ملفات إقليمية ودولية معقدة ومتشابكة ، حيث تسعى مصر إلى تثبيت الاستقرار ودعم الحلول السياسية مع تعزيز شراكاتها الاقتصادية. ففى تلك البيئة الإقليمية المضطربة يظل الدور المصرى حاضرا بقوة سواء عبر مؤسسات العمل الدولى أو من خلال تحركاته المباشرة فى القضايا الكبرى مما يعكس ثقل الدولة وقدرتها على التأثير وصياغة التوازنات الإقليمية والدولية. وفى هذا اليوم لا يسعنا غير تقديم الشكر والتقدير والاحتفاء بتلك المؤسسة وبمن يعملون داخلها بصمت ويحملون مسئولية تمثيل وطنهم فى أدق الظروف ويؤدون دورهم بثبات مدفوعين بإيمان راسخ بمكانة مصر بين الأمم.









