التربص بمصر ليس ظاهرة جديدة، بل هو سلوك قديم يتجدد كلما برز دورها أو علت مكانتها. فحين تكون الدولة كبيرة بثقلها، حاضرة بتاريخها، ومؤثرة فى محيطها، تصبح تلقائيًا هدفًا للانتقاد، بل وللهجوم أحيانًا. هذه ليست مصادفة، بل قاعدة ثابتة فى التاريخ: كل كيان عظيم يُسلَّط عليه الضوء، وكل قوة فاعلة تُحاط بمحاولات التشكيك والتقليل.
>>>
مصر، بما تحمله من عمق حضارى وثقل سياسى وإنساني، تدفع ثمن هذا الدور. فهى ليست دولة عادية يمكن تجاهلها، بل ركيزة أساسية فى محيطها العربى والإقليمى، وهو ما يجعلها دائمًا تحت المجهر. لكن الفارق هنا أن النقد لم يعد دائمًا موضوعيًا أو نابعًا من حرص، بل أصبح فى كثير من الأحيان مدفوعًا بأجندات، أو موجَّهًا من أطراف لا ترى فى استقرار مصر إلا عائقًا أمام مصالحها.
>>>
ولعل المثير للدهشة ليس الهجوم فى حد ذاته، بل توقيته وطبيعته. فبعض الأصوات لا تظهر إلا فى لحظات معينة، ولا تتحرك إلا عندما تُتاح لها فرصة لتشويه صورة أو تحريف موقف. هؤلاء لا يتغيرون، بل يبدّلون فقط أدواتهم وأساليبهم، بينما يظل الهدف ثابتًا: النيل من صورة مصر ومكانتها.
>>>
وفى هذا السياق، ظهرت موجة من الجدل حول خطبة العيد للشيخ الدكتور سيد عبدالباري، والذى دعا فيها لمصر بصيغة اعتاد استخدامها منذ سنوات. دعاء واضحاً، مألوفاً، لا يحمل أى شبهة أو تأويل خارج سياقه الطبيعي، ومع ذلك تحوّل إلى مادة للجدل والتشكيك. وهنا يتجلى بوضوح دور المتربصين، الذين لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن فرصة لإثارة الضجيج.
>>>
من يتابع خطب الرجل عبر السنوات، يدرك أنه لم يغيّر منهجه ولا أسلوبه، وأن ما قيل فى خطبة العيد قيل مثله مرارًا دون أن يثير أى اعتراض. لكن لأن اللحظة مواتية للبعض، ولأن هناك من يترصد أى كلمة أو عبارة ليحمّلها ما لا تحتمل، تم تضخيم الأمر وكأنه قضية كبري.
>>>
الحقيقة أن مصر لا تحتاج إلى من يدافع عنها، فهى بتاريخها ومكانتها أكبر من ذلك. كما أن من يعاديها أو يشكك فيها لا يستحق أن يكون محور اهتمام. لكن توضيح الحقائق يظل واجبًا، ليس دفاعًا، بل تصحيح للصورة، وكشف لمحاولات التشويه المتعمدة.
>>>
فى النهاية، سيظل المتربصون على حالهم، يتنقلون بين القضايا، ويبدّلون مواقفهم حسب مصالحهم، بينما تبقى مصر ثابتة فى موقعها، قوية بشعبها، ومحصّنة بوعى أبنائها. فالدول لا تُقاس بضجيج خصومها، بل بقدرتها على الاستمرار والتأثير، وهذا ما أثبتته مصر عبر تاريخها الطويل.









