فى عالمٍ تتعدد فيه تصنيفات الدول وتتشابك فيه المصالح، يمكن أن نرى دولاً ظالمة تمارس الهيمنة، وأخرى مظلومة تتعرض للضغوط، وثالثة تقف على الهامش بلا تأثير يُذكر. لكن حين نتأمل الحالة المصرية، نجد أنها تخرج عن هذه القوالب التقليدية، لتفرض تعريفًا مختلفًا لنفسها: إنها دولة مستقيمة.
>>>
الاستقامة هنا ليست شعارًا، بل نهجٌ متكامل يحكم السياسة الخارجية المصرية. فكما نصف الإنسان المستقيم بأنه يلتزم بالحق دون إفراط أو تفريط، فإن مصر تتبنى هذا المبدأ فى علاقاتها الدولية؛ لا تعتدى ولا تقبل الاعتداء، لا تنحاز إلا للحق، ولا تنخرط فى مؤامرات أو تحالفات تُفقدها استقلال قرارها. هذا الاتزان الإستراتيجى هو ما منحها القدرة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع قوى دولية متباينة، من الولايات المتحدة وأوروبا إلى روسيا والصين، دون أن تفقد هويتها أو دورها.
>>>
وتتجلى هذه الاستقامة بوضوح فى محيطها الإقليمي، حيث تلعب مصر دور الدولة المحورية التى لا غنى عنها لتحقيق الاستقرار. فهى الحاضنة التاريخية للقضية الفلسطينية، والداعم الصادق لحقوق الشعب الفلسطينى، رغم ما تحملته من أعباء وتضحيات عبر عقود. كما أنها تتحمل تداعيات أزمات الجوار فى ليبيا والسودان واليمن، إدراكًا منها أن استقرار الإقليم مسئولية مشتركة، وأن انهيار الدول خطر يهدد الجميع.
>>>
وفى ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، خاصة الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل، برز الموقف المصرى واضحًا ومتزنًا. فقد رفضت مصر الانجرار إلى التصعيد، ودعت إلى التهدئة وضبط النفس، مؤكدة أن الحروب لا تصنع استقرارًا، وأن الحوار هو السبيل الوحيد لتفادى اتساع رقعة الصراع. وفى الوقت ذاته، وقفت مصر إلى جانب أشقائها فى الخليج العربي، دعمًا لأمنهم واستقرارهم، دون شروط أو تردد، انطلاقًا من إدراكها لوحدة المصير العربى وتشابك التحديات.
>>>
هذا الموقف لم يكن محل ترحيب من الجميع، بل تعرضت مصر بسببه لحملات هجوم وتشكيك من بعض الأصوات المأجورة والمرتبطة بأجندات ضيقة. لكن الدولة المصرية، بطبيعتها الراسخة، لم تنشغل بهذه الحملات، بل واصلت مسارها بثقة وثبات، مدركة أن الكبار دائمًا ما يكونون هدفًا للانتقاد، بل لقوتها وتأثيرها.
>>>
إن مصر، بحكم موقعها وتاريخها، ليست دولة عادية، بل دولة مركزية فى الإقليم، لا يمكن تجاوزها فى معادلات الأمن والاستقرار. فهى تمثل صمام أمان فى قضايا كالهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب، ليس فقط للمنطقة، بل لأوروبا أيضًا. كما أن علاقاتها العربية تقوم على مفهوم الشقيقة الكبري، التى تدعم ولا تفرض، وتساند دون أن تزايد.
>>>
فى النهاية، تبقى الاستقامة هى العنوان الأصدق للدولة المصرية؛ استقامة فى المبدأ، واتزان فى القرار، وثبات فى الموقف. ورغم الضغوط والتحديات، تواصل مصر دورها بثقة، لأنها ببساطة دولة كبيرة.. وكبيرة جدًا.









