شيع أهالي منطقة كرموز بالإسكندرية ستة جثامين لأسرة واحدة في وقت واحد؛ وهم ربة منزل وأولادها الخمسة، حيث خرجوا في نعوش جماعية إلى مثواهم الأخير بمقابر الصدقة، وسط صدمة ودموع جيرانهم وفي غياب الأهل والأقارب بعد الكارثة التي حولت بهجة وفرحة العيد إلى أحزان لا تنتهي. تلك المذبحة التي نفذها شقيق الضحايا الأكبر بالاتفاق مع الأم قبل إنهاء حياتها أيضاً، وفشله في الانتحار بعدها، لظروف أسرية مدمرة وتخلي رب الأسرة -الذي يعمل خارج البلاد- عن الإنفاق عليهم ورعايتهم، لتكون النهاية الدامية في لحظة تهور شيطانية. تم ضبط الابن المتهم وتباشر النيابة التحقيق.
تفاصيل الكارثة
وقعت الجريمة البشعة بمنطقة كرموز وهزت أرجاء الإسكندرية في ثاني أيام عيد الفطر المبارك. دارت فصولها المأساوية بعدما ضاقت الدنيا في وجه الأم التي تعاني من مرض السرطان منذ عدة سنوات، لتزداد مأساتها مؤخراً بعد تهرب “شريك حياتها” -الذي يحمل جنسية إحدى الدول العربية- ورفضه الإنفاق عليها وعلى أولادهما الستة، وإخبارها منذ عدة أيام بزواجه من أخرى وطلاقها، لتسود الدنيا في عينها وتصبح مهمومة ليل نهار بدموع لا تفارقها أمام تلك الكارثة الأسرية؛ خاصة وأنها تواجه الموت بين لحظة وأخرى أمام المرض اللعين الذي لا يرحم، وعدم وجود سند لها ولأولادها الذين يبلغ أكبرهم عشرين عاماً وأصغرهم طفلاً في الثامنة من عمره.


وساوس شيطانية
هكذا ظل الشيطان يوسوس لها ويداعب أفكارها المدمرة، لتقرر مع ابنها “البكر” في لحظة يأس ضرورة التخلص من حياتهم جميعاً لعدم قدرتهم على مواجهة مصاعب الدنيا. وافقها الابن الرأي واستسلما للنهاية الدامية، رافضين البحث عن حلول للخروج من الأزمة والورطة التي يعيشون فيها خوفاً من الفقر الذي لا يرحم. وأسرع الابن الأكبر “ريان” بتنفيذ المهمة وسيناريو المذبحة الذي يفوق أي تصور في تلك الدراما الواقعية الحزينة، التي دارت كواليسها المرعبة خلف جدران الأسرة المنكوبة ودون أن يشعر أحد بهم، لتنتهي حياة الخمسة واحداً تلو الآخر بمشاهد باكية ومرعبة انتهت بآلام لا توصف.
محاولة انتحار
بعدها جاء دور مرتكب المذبحة ليتخلص من حياته هو الآخر، لكنه ظل لعدة ساعات غير قادر على إنهاء حياته منتحراً حسب الاتفاق مع الأم. ليقوم أخيراً بالصعود من شقة الأسرة بالطابق السادس إلى سطح العقار بالدور الثالث عشر محاولاً الانتحار، لكن الأهالي تمكنوا من اللحاق به وهو في حالة إعياء وبجسده بعض الإصابات، ليتم إبلاغ الشرطة وتتكشف القصة الكاملة للمذبحة الأسرية. وأدلى المتهم باعترافات تفصيلية حول الجريمة وكيفية تنفيذها في حق أقرب الناس وأحبهم إليه، حيث عُثر عليهم في مشهد بشع وصادم لجميع من حولهم.
رجال المباحث
انتقلت إلى مكان الحادث قوة من رجال المباحث بإشراف اللواء محمود أبو عمرة، مساعد أول وزير الداخلية لقطاع الأمن العام، للفحص والمعاينة وسط فزع السكان الذين أصيبوا بصدمة وانهيار وكأنه كابوس يفوق الخيال. وتم إخطار النيابة العامة التي عاينت موقع الحادث في حراسة أمنية مشددة، وتبين أن الشقة تقع بالطابق السادس وعُثر بداخلها على 6 جثث؛ وهي لسيدة تدعى “إنجي” (41 عاماً) و5 أطفال تتراوح أعمارهم بين 8 و17 عاماً وهم: يوسف، ويحيى، ورهف، وملك، وياسين. وبمناظرة الجثث تبين أنها بكامل ملابسها وبها إصابات قطعية باليدين والرقبة، وأنها في بداية حالة تعفن رُمّي لمرور عدة أيام على ارتكاب الجريمة.
تحقيقات النيابة
أمرت النيابة العامة بانتداب خبراء الأدلة الجنائية لمعاينة الشقة، وأسفرت المعاينة عن العثور على عدة “أمواس حلاقة” بها آثار دماء، تم التحفظ عليها وإرسالها إلى الطب الشرعي لمضاهتها مع الإصابات الموجودة بجثث المتوفين. كما قررت النيابة التحفظ على الجثث بمشرحة المستشفى وانتداب الطبيب الشرعي للتشريح لتحديد سبب الوفاة قبل التصريح بالدفن. واستمع فريق النيابة العامة إلى أقوال الجيران الذين أكدوا لحاقهم بالشاب «ريان» (20 سنة) فور صعوده أعلى سطح العقار محاولاً الانتحار، حيث أقر لهم باتفاقه مع والدته على إنهاء حياة أشقائه بسبب تعرضهم لأزمة مادية شديدة ورفض والدهم الإنفاق عليهم.
أقوال الشهود
أكدت جارة الأسرة في التحقيقات أن الأم كانت تتردد عليها لتشكو همومها، وأنها صرحت لها منذ أسبوع بنبرات حزينة بتفكيرها في التخلص من حياتها بسبب ضائقة مالية شديدة وإهمال والد أبنائها لهم. وقالت الجارة إنها ظنت أن الحوار مجرد “فضفضة” لحظة ضيق، ولم تتخيل أن يصبح واقعاً ينهي حياة الصغار الأبرياء.
حبس المتهم
استمعت النيابة على مدار عدة ساعات إلى أقوال الابن المتهم وقام بتمثيل جريمته، وقررت حبسه أربعة أيام على ذمة التحقيقات مع مراعاة التجديد له في الميعاد. كما قررت التحفظ على الشقة واستعجلت تقرير الطب الشرعي حول ملابسات الوفاة، ولا يزال التحقيق مستمراً في واحدة من أغرب القضايا التي هزت وجدان الرأي العام.









