عندما نسمع شخصاً يقول لآخر اعرف نفسك قد نتصور أن العبارة من باب التنبيه أو التأنيب أو اللوم على شيء ما أو ربما الاستهانة بقدرته على إنجاز شيء أو حتى بمعنى الاستعلاء عليه، أي أنت لا تدري مع من تتحدث؟ كل هذا جائز من حيث الفهم البسيط للمقولة، لكن كم منا يعرف أن هذه العبارة اعرف نفسك هي فلسفة تعبر عنها دعوة من شيخ الفلاسفة “سقراط” وتعود جذورها إلى مدينة دلفي باليونان القديم حيث تم نحت العبارة على المعبد الرئيسي بالمدينة.
وسط الأحداث المتسارعة والمتلاحقة في العالم الآن خاصة في منطقة الشرق الأوسط، ومع ملامح حرب شاملة تدق الأبواب، واتهامات متبادلة بين أكثر من طرف يتخللها اغتيالات وتصفية حسابات نفسية وسياسية بين الأطراف.
وسط هذا كله من توقف ليسأل نفسه: ماذا يريد؟، وما هي قدراته لتحقيق ما يريد؟ هل يتحقق السلام الداخلي له متى تحقق ما يسعى إليه؟ هل تتحقق المعرفة بالنفس متي ارتبطت بسيرة القوة أو الرعب أم أن القيمة المعرفية هي الرؤية الواضحة للنفس، والفعل العاقل دون ضجيج أو صخب الاستعراض المتهور.
ما من وقت يستدعي معرفة الناس لأنفسهم مثل وقتنا الحاضر. فلينظر كل منا إلى نفسه من خلال عمله ، علاقاته بالآخرين، ما يمتلكه، ما يحلم به، ما يفعله، وما يجب أن يفعله، ما يفكر فيه، ما يقوله، وما يحبه، ماذا يحدث لك عندما تتوقف عن فعل ما تفعله أو تفكر أو تحلم به. هل تختفي كل هذه الأسئلة بداخلك، هل أنت نفسك في حالة من التلاشي أو تكاد تختفي ولا أثر لك.
ألا يوجد شيء ثابت ليعرفك بنفسك، إذن فكر في الأسوأ وهو أن يحدد الآخرون معرفتك بنفسك، كما تحدد القوى العظمى في العالم الآن معرفة القوى الأضعف لنفسها فتصير تابعة لمعرفتها لا مستقلة بمعرفتها لنفسها.
هل نحن كما يتصوره الآخرون عنا؟ هل يرسمون خريطتنا النفسية كما يفعلون مع خريطتنا الجغرافية؟ ما لدينا من معرفة غير مستقر ولا نستطيع أن نقيم عليه جدار معرفتنا الصلبة، وهذه هي العقبة الأولى التي تواجهنا عند محاولة معرفة أنفسنا.
أما العقبة الثانية فهي لو أننا عرفنا أنفسنا فماذا نحن فاعلون بعد ذلك؟ ماذا لو كانت معرفتي بنفسي أمراً سيئاً يدعوا إلى الألم لا السعادة، ماذا لو أدركت فساد نفسي. بداية يجب التسليم بالفساد أو الجهل ثم السعي إلى إدراك مبادئ الفضيلة وما هي طبيعة الخير والشر.
وينطبق هذا على زمن “سقراط”، كما ينطبق علينا الآن في زمن الذكاء الاصطناعي والتقدم التقني فائق السرعة.
والمعنى المنطبق هو اعترافنا أننا لا نعرف أننا لا نعرف شيئاً. وهنا تكون الحكمة ليست في ادعاء المعرفة بل في ادراك أنها محدودة. إننا مهما وصلنا إلى المعرفة علينا إدراك أننا لم نعرف بعد، ومن ثم مواصلة البحث والتأمل والتعلم.









