ليس من باب النقد، وإنما من منطلق الحرص على المصلحة العامة، يصبح الاختلاف مع وزير التربية والتعليم، محمد عبد اللطيف، فضيلةً تُحسب له لا عليه، خاصةً حين يكون الهدف واحداً.. وهو نجاح منظومة التعليم، باعتبارها ركيزةً أساسيةً في بناء الدولة المصرية.
يعد الوزير رقم (76) في تاريخ وزراء التعليم في مصر رقماً مميزاً في سجل طويل بدأ منذ عهد علي مبارك، حمل خلاله كثيرون مسؤولية واحدة بأدوات ورؤى مختلفة. إلا أن الوزير الحالي جاء من قلب الميدان التعليمي، محملاً بخبرات عملية مباشرة، لا مجرد رؤى نظرية تشكلت داخل أروقة المكاتب أو صفحات الأبحاث.
وربما كان هذا هو السر وراء قدرته على الاقتراب من الملفات المزمنة والصعبة بجرأة، وطرح حلول واقعية وأفكار «خارج الصندوق» لقضايا طال انتظار حسمها، مثل: إعادة الطلاب إلى المدارس، وسد العجز في أعداد المعلمين، والتعامل مع ملفات مصيرية على رأسها تطوير الثانوية العامة بنظام «البكالوريا».
ومن يتابع تحركات الوزير يدرك سريعاً أنه رجل ميدان من الطراز الأول؛ زيارات مفاجئة لمختلف المدارس، لقاءات مستمرة مع المعلمين ومديري المدارس، ومحاولات جادة لضبط إيقاع العملية التعليمية على الأرض، لا من خلف المكاتب.. لكن، وبرغم هذا التقدير، يظل الاختلاف مشروعاً… بل وضرورياً.
●● المدارس الرسمية لغات
في أحد لقاءاته مع الصحفيين قبل بداية العام الدراسي الجاري، أشار الوزير إلى أنه يعد نفسه «وزير المدارس الحكومية»، معتبراً أن المدارس الرسمية لغات، التي يبلغ عددها نحو 3243 مدرسة، تندرج ضمن المدارس ذات المصروفات، وأنها اختيارية لأولياء الأمور.. غير أن الواقع يطرح قراءة مختلفة؛ إذ تحولت هذه المدارس إلى ملاذ رئيسي لأبناء الطبقة الوسطى، الباحثين عن تعليم حكومي بمستوى أفضل.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى رؤية أكثر شمولاً، لا تنظر إلى هذه المدارس باعتبارها رفاهية، بل كجزء أصيل من منظومة التعليم الحكومي المطور، خاصة أنها تخدم ما يزيد على 1.2 مليون طالب. كما يظل ملف التحويلات بين هذه المدارس أحد أكثر الملفات إزعاجاً للأسر المصرية مع كل عام دراسي جديد، في ظل ما يُعرف بـ «تأشيرات فوق الكثافة».
ومع اقتراب العام الدراسي 2026/ 2027، تبدو الحاجة ملحة لوضع قواعد واضحة وعادلة ومعلنة، تنهي هذا الصداع المزمن، وتحقق قدراً أكبر من الرضا المجتمعي.
●● الثانوية العامة
للمرة الأولى، غابت البيانات التفصيلية اليومية عن امتحانات الثانوية العامة في 2026؛ فلم تعد هناك مؤشرات واضحة حول نسب النجاح، أو تحليل أداء الطلاب بالشعب الثلاث، أو حتى إعلان أعداد حالات الغش والإجراءات المتخذة بشأنها. قد يبدو الأمر إدارياً في ظاهره، لكنه في جوهره يمس الثقة المجتمعية في واحدة من أهم المحطات التعليمية في حياة الأسرة المصرية. فغياب المعلومات لا يقلل من المشكلات، بل يفتح الباب أمام الشائعات، ويضعف من أثر الردع المجتمعي.
كما أن منظومة توزيع المراقبين والاعتذارات عن أعمال الامتحانات ما زالت بحاجة إلى تطوير حقيقي. فالمشهد المتكرر سنوياً لتكدس المعلمين أمام لجان النظام والمراقبة، في مقابل وجود راغبين في العمل، يكشف بوضوح عن خلل يمكن تجاوزه بسهولة عبر رقمنة هذه المنظومة بشكل عادل ومنظم، يحفظ كرامة المعلم ويوفر الوقت والجهد.
●● التابلت
خلال مناقشة الخطة الاستثمارية لوزارة التعليم مع وزارة التخطيط مؤخراً، طُرحت مسألة توفير أجهزة التابلت لطلاب المدارس الفنية، التي يصل عددها إلى نحو 1200 مدرسة. وهنا تبرز ضرورة الاستفادة من تجربة تطبيق التابلت بالتعليم الثانوي العام، والبناء على إيجابياتها، مع تلافي سلبياتها. فأحد أبرز التحديات التي واجهت التجربة السابقة تمثل في صعوبة وتكلفة توصيل شبكات الفايبر للمدارس، وهو ما يتطلب تقييماً دقيقاً قبل البدء في التجربة، لضمان تحقيق استفادة مطلوبة دون تحميل الموازنة أعباءً إضافية غير محسوبة.
في النهاية… يبقى التأكيد أن نجاح وزير التربية والتعليم في مهمته الثقيلة هو نجاح للدولة المصرية بأكملها. والاختلاف معه، حين يكون موضوعياً وبنّاءً، لا ينتقص من هذا النجاح، بل يدعمه ويعززه. ففي قضايا بحجم التعليم، لا نحتاج لمؤيدين فقط… بل إلى عقول تفكر، وتناقش، وتختلف… من أجل هدف واحد: تعليم أفضل لمستقبل يستحقه أبناء مصر.
وللحديث بقية.. إن شاء الله تعالى.









