في العلاقات بين الدول دائمًا نبحث عن المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة، لكن في العلاقة بين الأشقاء يجب أن نبحث أولًا عن المصير المشترك والدم الواحد، ولهذا فعندما يكون الحديث عن علاقة مصر بدول الخليج فيجب أن يكون كل حديثنا عما يجمعنا من روابط دم وعقيدة وتاريخ ومشتركات أكبر من المصالح، وثوابت أعمق من المنافع، حيث لا يتصور أحد أن تكون مصر بعيدة عن أشقائها أو أن يتنكر الأشقاء لمصر ودورها، فالعلاقة وثيقة ومتجاوزة لكل ذلك، حتى وإن حدث خلاف طارئ في وجهات نظر حول ملف أو عدم تنسيق فى قضية بعينها، فهذا لا يعنى أبدًا أن الأمر فيه تباعد أو تناقض في المواقف، وإنما هكذا تدار العلاقات تفاهم فى أمور واختلاف في وجهات النظر تجاه أخرى. لكن يبقى الأهم هو التوافق وتوحيد المواقف فى القضايا المصيرية التي تتعلق بالأمن القومي ومصير ومقدرات الشعوب العربية والمؤكد انه في هذه القضايا لا نجد سوى توافق مصرى عربى حقيقى ومواقف مشتركة حاسمة خاصة في السنوات الأخيرة. ومنذ بدء الحرب «الأمريكية – الإسرائيلية» على إيران والرد غير المنطقى وغير المبرر من طهران بتوجيه صواريخها وتهديداتها إلى دول الخليج كان الموقف المصرى الواضح بإعلان المساندة الكاملة للأشقاء والرفض التام للاعتداءات الإيرانية على أراضيهم.
مصر تعرف تمامًا حق الأشقاء مثلما يعرف الأشقاء تمامًا قوة وصلابة الموقف المصرى تجاههم.. وأن هذا الموقف ينبع أولًا وأخيرًا من وحدة الدم والمصير
وخلال الاتصال الهاتفى الذي تلقاه الرئيس السيسى من بزشكيان كان الوضوح في موقف مصر الرافض تماما للاعتداءات الإيرانية والمطالبة بوقفها فورًا، كما كانت الاتصالات السريعة من الرئيس السيسى بأشقائه من قادة الدول التي تعرضت أراضيها لاعتداءات إيرانية وتأكيده على الموقف المصري الذى لا يقبل تأويلا، ثم الجولة العربية لوزير الخارجية بتكليف رئاسي وأخيرا زيارة الرئيس السيسى لكل من الإمارات – وقطر – البحرين – والسعودية لتأكيده على الثوابت المصرية تجاه الأشقاء.
هذه التحركات المصرية لم تأت من فراغ وانما نتيجة عقيدة مصرية راسخة قائمة على وحدة المصير مع الأشقاء، وأن ما يهدد أراضيهم وسيادتهم وأمنهم هو تهديد لمصر وأمنها، وهو ما تم التعبير عنه وتأكيده على كافة المستويات، وزاد من قوة هذه العقيدة أن الرئيس السيسي نفسه أكثر ايمانا بوحدة المصير وضرورة أن تظل العلاقات المصرية – العربية في افضل مستوياتها وأن يكون هناك باستمرار تنسيق وتشاور كامل في المواقف تجاه كافة القضايا والملفات الإقليمية والدولية المرتبطة بالمصالح العربية.
الرئيس السيسى منذ تولى المسئولية وضع العلاقات في إطار مختلف تماما أكثر متانة وعمقا وأقوى تنسيقا وتعاونا.
بالتأكيد من الطبيعى كما ذكرنا أن تحدث خلافات فى بعض الملفات أو الأولويات، وهذا ما يحدث بين الدول وبعضها، بل داخل الدولة الواحدة، بين مؤسسة وأخرى، لكن المهم هو القدرة على ادارة هذا الخلاف وتوجيهه إلى ما يحقق المصلحة العامة المشتركة، وهو ما يحدث بين العواصم العربية، انطلاقا من الرغبة في الحفاظ على المصالح الخاصة لكل دولة في إطار عدم الإضرار بالمصالح المشتركة والأمن والاستقرار لباقي الدول.
وهذا المنطق هو ما يسبب حالة غضب لدى من يسعون إلى تفتيت الوحدة العربية وتخريب العلاقات، سواء الجماعة الإرهابية التي تُطلق ميليشياتها لنشر الأكاذيب والشائعات التي تستهدف إحداث الفتنة العربية، أو إسرائيل التي لا تتوقف عن محاولات الوقيعة.
ويتصور هؤلاء أنه ليس أفضل من الأحداث الحالية لتحقيق هدفهم الخبيث ضد الوحدة العربية، ولذلك في خلال الأيام الماضية تابعنا الكثير من الأكاذيب حول العلاقات العربية والشائعات حول مواقف غير حقيقية بين الأشقاء، لكن حكمة القيادة المصرية وتعاملها الذكي مع هذه الأكاذيب، وإدراك وفهم الأشقاء العرب الحقيقة المواقف المصرية وصدقها، أفسد كل هذه المحاولات وجعلها حبيسة صفحات السوشيال ميديا دون تأثير على الواقع.
وزيارة الرئيس السيسى الأخوية إلى الإمارات وقطر ثم البحرين والسعودية واتصالاته بأشقائه العرب أكدت هذا.
وهنا وحتى تكون الصورة واضحة أمام الجميع فالأفضل أن نحدد عددا من الثوابت المصرية المرتبطة بالأحداث الحالية حتى يتفهم الجميع طبيعة كل تحرك او تصريح مصرى وهدفه، وأن مصر تدير ملفاتها وعلاقاتها مع الأشقاء على وجه الخصوص دون الخضوع لألاعيب «السوشيال ميديا».
أول هذه المبادئ الواضحة التي تؤمن بها مصر وتطبقها قولا وفعلا أن العلاقة مع الأشقاء العرب لها مسارها الخاص بها ولا تتقاطع مع أى مصالح أو علاقات أخرى فالأولوية عند القاهرة للعلاقات العربية وقوتها مهما كانت الظروف، والأهم هو تحقيق وحماية المصالح العربية المشتركة.
الثاني: إن التحديات التى تواجهنا واحدة والتهديد واحد حتى وأن تعددت صوره أو اختلفت أسبابه ومواقعه، فهو مهدد للكل وللامن القومى العربي بشكل عام، ولذلك فلا مجال الدولة أن ترى نفسها بعيدة عن التهديد أو تحاول النأى بنفسها بعيدا عن الاشقاء وقت الأزمات، لأن التأثير سيطالها في النهاية.
الثالث: ان الأمن القومي العربي جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى بل هو امتداد طبيعي له، ولا يمكن التهاون في هذا المبدأ بل يجب ان يعمل الجميع في إطاره وتحقيقا له.
الرابع: أن مساحة التوافق العربية -العربية أكبر بكثير جدا من مساحة الاختلاف التى تقتصر على بعض الملفات ويحاول المتربصون تضخيمها على غير الحقيقة، ومن مصلحة الدول العربية الحفاظ على هذا المستوى من التوافق وسبل الحوار الأخوى لأنه الطريق الأفضل لقوة العرب.
الخامس: إن اللقاءات والاتصالات المستمرة بين الدول العربية على المستويات المختلفة، القادة أو الحكومات أو وزراء الخارجية، كفيلة بتقريب وجهات النظر والحفاظ على توحيد المواقف خاصة في ظل الظروف الاستثنائية والتي تفرض واقعا صعبا على الجميع، وهو ما يحدث بشكل كبير الفترة الأخيرة، فلا يمر يوم دون تواصل لضمان توافق المواقف حول كل تطور.
السادس: إن هذا التنسيق ظهر في أوج صوره مع أزمة الحرب الإسرائيلية على غزة، حيث وضح التوافق الكبير بين القاهرة وعواصم الخليج العربية وتوحيد الموقف الرافض للتهجير والمتمسك بحق الفلسطينيين في أرضهم ودولتهم المستقلة، وفضح الجرائم الإسرائيلية التى ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي في حق الشعب الفلسطيني البريء ورغم المحاولات الأمريكية لتمرير المخطط الاسرائيلي لكن الموقف المصرى الواضح الحاسم في رفض هذا التوجه والمساندة الخليجية العربية لمصر أوقفت هذا الأمر.
السابع: فى الأزمة الإيرانية ومنذ بدايتها كان الوضوح المصرى مبكرا، ووفق ثوابت الدولة التى لم تتغير، فنحن ضد الاعتداء على سيادة الدول وضد محاولات فرض السيطرة الإسرائيلية على الإقليم ولذلك فنحن ضد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وقد بذلت القيادة السياسية والدبلوماسية المصرية جهودا صادقة من أجل منع هذه الحرب ومنع التصعيد واللجوء إلى الحلول السياسية السلمية لكن آلة الحرب كانت أسرع، ومع ذلك تحاول مصر دون توقف من أجل حشد الجهود الدولية لوقف الحرب.
الثامن: إن هذا الرفض المصرى للحرب على ايران، وهو أيضا موقف عربي جماعي لم يجعل القاهرة تصمت لحظة على تجاوزات طهران في حق الأشقاء واعتداءاتها غير المقبولة وغير المبررة على أراضيها، فكان الإعلان المصرى القاطع بالرفض التام لهذه الاعتداءات ووصفها بأنها أثمة وتجاوز لحقوق الجوار والقانون الدولى والمطالبة بوقفها فورا انطلاقاً من أن أى تهديد للدول العربية وفى القلب منها الخليج اعتداء على مصر.
التاسع: إن الأمر لم يتوقف عند الإدانة بل اتخذت «القاهرة» مسارين آخرين أكثر أهمية، أولهما تكثيف الجهود الدبلوماسية من أجل وقف الحرب والاعتداءات الإيرانية سريعا ومازالت هذه الجهود مستمرة ولن تتوقف، وثانيهما إعلان القيادة المصرية بأنها جاهزة لتقديم كل ما يطلبه الأشقاء من دعم ومساندة من أجل أمن واستقرار دولهم.. وفى هذا الإطار كان الطرح المصرى مجددا لتفعيل مبدأ الأمن العربي الجماعي وتشكيل القوة العربية المشتركة وهو طرح صادق وأمين ونابع عن رؤية مصر لدعم قوة الأمن القومي العربي ضد أي محاولات للمساس به.
العاشر: إن اصدار كافة مؤسسات الدولة المصرية لبيانات دعم للأشقاء العرب رسالة بأن مصر كلها، شعبا وحكومة وقيادة مع الأشقاء، كما أن الحرص من مؤسسات الدولة على كشف حقيقة الأكاذيب التي يروجها البعض للإساءة للعلاقات «المصرية – العربية» يؤكد تمسك مصر بأشقائها وعدم سماحها بأى تدخل فيها.
الحادي عشر: إن هذا الموقف المصرى الواضح لا يتناقض مع التحرك المكثف من «القاهرة» لمنع التصعيد والتواصل مع كافة الأطراف بحثا عن حلول تنهى الحرب بتداعياتها الخطيرة، فمصر لا تتحرك إلا لإدراكها بأن الجميع خاسرون من استمرار هذه الحرب اقتصاديا وأمنيا وسياسيا ومجتمعيا أيضا، ومن خلال خبرتها الطويلة فتحت القاهرة خطوط اتصال مع كافة الأطراف والقوى الفاعلة دوليا لايجاد فرص للتسوية السياسية.
الثاني عشر: إن مصر كما أعلنت مبكرا دولة تبحث عن السلام وترفض الحروب والصراعات وتطالب بحلول سلمية لكافة الخلافات، حتى في القضايا المصرية تقدم القيادة السلام على الصراع قدر الامكان، وبهذا الشعار تحقق مصر الأولوية العربية وتسير عكس تجار الحروب والأزمات مما يشعل غضبهم ويزيد محاولاتهم لتشويه الدور المصرى.
أخيرًا: إن هذا الموقف المصرى الثابت والقوى دعما للأشقاء أغضب المتربصين بنا وبالأمة العربية وتم افتعال مواقف كاذبة ونشر شائعات هدفها الإساءة للموقف المصري، وإشعال الغضب بين العواصم العربية لكن «القاهرة» بذكاء وحنكة شديدين كشفت هذا المخطط وفضحت من يقف وراءه.
خلاصة الأمر أن العلاقات المصرية – العربية لا تحتمل أى درجة من التشكيك، لأنها أكبر بكثير جدا من هذا، ومصر تعرف تماما حق الأشقاء مثلما يعرف الأشقاء تماما قوة وصلابة الموقف المصرى تجاههم، وأن هذا الموقف ينبع أولا وأخيراً من وحدة الدم والمصير وليس شيئاً آخر، وهو ما يتطلب منا جميعا أن نؤكد عليه وأن نغلق أبواب الشياطين.