بات واضحاً أن المشهد فى المنطقة يزداد تعقيداً، ورقعة الصراع تتسع ويزداد الوضع غموضاً، الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، تدخل الحسابات المجهولة، لا أحد يدرى متى تتوقف، فالدائرة تتسع، والأهداف باتت كثيرة، وكأننا فى لعبة الموت، أو تكسير العظام على أقل تقدير، حرب عبثية، أطلقها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لا يعرف أهدافها ولم يضع أى رؤية لها، أو موعداً لانتهائها حساباته جاءت خاطئة وفى ذات الوقت قاتلة، الوقت مع تصاعد الفشل يتحول إلى سيف على رقبته، الداخل الأمريكى يغلي، يقولون بلسان واضح إنها ليست حربا أمريكية، بل إسرائيلية، وأن الإدارة الأمريكية باتت أسيرة لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي.
ما بين محاولات ومخططات إعادة تشكيل المنطقة العربية وإخضاع وتفكيك دولها، كهدف إستراتيجى لصالح الكيان الصهيوني، لإشباع وتحقيق أوهامه فى إسرائيل الكبري، أو شرق أوسط جديد صهيونى بحت، تدخل هناك أخرى تكتيكية، نستطيع أن نقول إنها حرب النفط والغاز، حرب الممرات البحرية، صراع على نظام عالمي، خفى بين أمريكا والصين، أوروبا تتراجع عن دعم واشنطن فى حربها الخبيثة، الكيان الصهيونى يعمل على إشعال النيران فى جميع دول المنطقة من أجل الإيقاع بالجميع فى فخ الصراع، وبطبيعة الحال هو المستفيد، يريد حرق المنطقة بالكامل، ويتبع سياسة الأرض المحروقة وكل طرف من الأمريكان والإسرائيليين له أهدافه لم تقدم واشنطن على قرار الهجوم على إيران خضوعاً للأوهام والضغوط الصهيونية إلا بعد السيطرة على فنزويلا وثروات هائلة من النفط والغاز، والمعادن وحرمان الصين من هذه الموارد، ثم الانتقال إلى الشرق الأوسط لحرق وتدمير ثرواته النفطية سواء فى إيران أو فى الدول الخليجية الشقيقة وبالتالى ترتفع أسعار النفط والطاقة، وتستغل أمريكا الأوضاع لتسويق نفطها الصخري، ورفع الأسعار وحرمان التنين الصينى من مصادر إمدادات النفط والغاز لتحجيم الصين، ومحاولات إضعافها.
ما يحدث فى الشرق الأوسط من صراع محتدم، وحرب أمريكية ـ إسرائيلية على إيران كإحدى حلقات المخطط الصهيوني، للسيطرة على المنطقة، أيضاً صراع على الممرات البحرية، وهدف أمريكى لحرمان أو طرد الصين وإضعاف نفوذها، وتمددها.
الحرب الناشبة الآن تحمل أهدافاً كثيرة، لكن أخطر ما فيها أن الكيان الصهيونى يعمل على إشعال نيران الفتنة والوقيعة وتوريط الدول العربية وجرها لحرب لا تخدم مصالحها أو أهدافها، وتضر بمقدراتها وأيضاً إحداث وقيعة بين الدول العربية وشعوبها واستهداف مصر بالتشويه رغم موقفها التاريخى والداعم بشكل شامل للأشقاء، لذلك أتوقف عند مجموعة من النقاط المهمة من هذه الحرب العبثية التى تسعى لتقويض المنطقة، وجهود إرساء الأمن والاستقرار والسلام. وانعكاساتها وتداعياتها الخطيرة على دولها وشعوبها.
أولاً: ارتكبت إيران جريمة نكراء باستهداف الدول الخليجية الشقيقة، وأيضاً خطأ إستراتيجى ارتكبته إيران يخدم مصالح وأهداف الكيان الصهيوني، خاصة أن الدول الخليجية لم ولن تشارك فى الحرب ورفضتها قبل اندلاعها، وبذلت جهوداً معلنة للحيلولة دون وقوعها، ولا ناقة لها ولا جمل فيها ومازالت تبذل الجهود لإيقافها وفق حلول تفاوضية وسلمية، وأيضاً يخدم أهداف إسرائيل فى محاولة الوقيعة، وجر الدول الخليجية للمشاركة فى الحرب وهو ما تعيه دول الخليج وترفض ذلك، رغم الأضرار الجسيمة التى لحقت بها واستهدفت بنيتها التحتية ومنشآتها النفطية.
ثانياً: مصر منذ اللحظة الأولى أدانت الهجوم الإيرانى على دول الخليج الشقيق، وأعلنت تضامنها ودعمها الكامل للأشقاء وأكدت أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن مصر، ولعل اتصالات الرئيس عبدالفتاح السيسى بزعماء الخليج، وتأكيده على موقف مصر الحاسم والقاطع برفض العدوان الإيرانى على الأشقاء فى الخليج، وهذا ما أكده الرئيس السيسى للرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان وطالبه بوقف استهداف دول الخليج، ثم يقدم الرئيس السيسى نموذجاً للتضامن الكامل مع الأشقاء والدعم الشامل بزيارة جاءت فى توقيتها لكل من قطر.. والإمارات فى مثل هذه الظروف الخطيرة، إلا أن هذه الزيارة تحمل الكثير من المعاني، وتبعث برسائل قوية عنوانها، التضامن الكامل والدعم الشامل والرفض القاطع لأى مساس بأمن الخليج، وهذه الزيارة تحمل أعلى درجات الدعم والتضامن المصرى مع الأشقاء وأن تقول وتفعل وأن الأمن القومى العربى أولوية قصوى فى عقيدتها الإستراتيجية، كما أن زيارة الرئيس السيسى للإمارات وقطر فى ظل هذه الأجواء تعكس قوة وشجاعة وقدرة وثقة الدولة المصرية.
ثالثاً: محاولات الوقيعة بين المصريين وأشقائهم فى دول الخليج فاشلة لا محالة، لأن هناك وعيا حقيقيا راسخا وإدراكا لهذه المحاولات التى تتبناها كتائب إلكترونية صهيونية وإخوانية وهما وجهان لعملة واحدة، وإدراك خليجى لمواقف مصر الداعمة، والتى تضع أمن الخليج كجزء من أمنها القومي، وإدراك متبادل أن المصير واحد، واليقين أن الكيان الصهيونى يعمل على جر المنطقة إلى أتون محرقة وتوريط الأطراف العربية بما يخدم مصالحه وأهدافه وأوهامه، فالعرب ليسوا طرفاً فى هذه الحرب وهو ما يجب أن تدركه إيران، وألا تكون وسيلة لتحقيق أهداف الكيان الصهيوني، الذى أصيب بالسُعار والجنون ويسعى إلى إحراق المنطقة وإضعافها وتدمير دولها من أجل تحقيق أوهامه وهو ما تدركه مصر والأشقاء فى الخليج، وهنا يجب على النخب والمفكرين العرب أن يعوا الأهداف الصهيونية.
رابعاً: هناك كارثة أدركها الأمريكيون أن أكبر قوة عسكرية فى العالم وهى أمريكا باتت تخدم أهداف وأوهام إسرائيل وأن الإدارة الأمريكية على حد قول الأمريكان أنفسهم محتلة من قبل اللوبى والكيان الصهيونى وأن الرئيس دونالد ترامب خاضع تماماً لهذه الأوهام، وأن ذلك يشكل خطراً داهماً على مستقبل ومصالح وأمن أمريكا، فالأمريكيون يؤكدون أنها حرب إسرائيل وليست أمريكا وهناك معاناة فى الداخل الأمريكى خاصة على الصعيد الاقتصادي، ويبدو أن نعم الحرب الإيرانية سوف تنفجر فى وجه ترامب فلم يستطع تحقيق تقديراته وحساباته الخاطئة وأعتقد أنها ستكون حرباً خاطفة لكن تبدو أنها مستنقع جديد فى ظل الخسائر الهائلة، والنيل من هيبة القدرات العسكرية الأمريكية بعد سقوط طائراتها، وتدمير قواعدها وإصابة مقاتلاتها الشبحية وحاملات الطائرات، ورغم مرور ثلاثة أسابيع على الحرب إلا أن إيران لم تستسلم ومازالت صواريخها تحدث دماراً مروعاً فى عمق تل أبيب والموت فى دولة الاحتلال، زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى للشقيقتين قطر والإمارات فى هذه الظروف رسالة قوية وتجسيد حقيقى لموقف مصر، وتضامنها ودعمها، يخرس ويقطع ألسنة الزيف والكذب، وهنا أقترح عقد لقاءات يقودها وزراء الخارجية والإعلام فى مصر ودول الخليج مع النخب والمفكرين والكتَّاب والمثقفين المصريين وفى الخليج لبناء وعى حقيقى وشامل لدى الأقلام والآراء لدى هذه النخب، تعرف الحقائق، والتقديرات والحسابات، والمواقف أيضاً، وما هو يحاك ويخطط لمصر وأشقائها فى الخليج، وللمنطقة العربية بصفة خاصة والإقليم بصفة عامة وسنرى نتائج عظيمة فى مخرجات هذه اللقاءات.









