فى ثوابت الموقف المصرى الرافض للاعتداءات الإيرانية
تمثل منطقة الخليج العربى بالنسبة للدولة المصرية عمقاً إستراتيجياً لا يقبل القسمة على اثنين، وفى ظل التوترات المتصاعدة التى شهدها هذا العام، برز الموقف المصرى كحائط صد منيع ضد أى محاولات لزعزعة استقرار الأشقاء العرب إن إدانة مصر للتحركات والاعتداءات الإيرانية الأخيرة على دول الخليج العربى لم تكن مجرد رد فعل دبلوماسى عابر، بل هى تجسيد لعقيدة «مسافة السكة» التى أضحت ركيزة أساسية فى السياسة الخارجية المصرية المعاصرة.
لقد شهد شهر مارس الحالى تصعيداً غير مسبوق، حيث تعرضت منشآت حيوية ومدنية فى دول خليجية شقيقة من بينها السعودية والإمارات وقطر وعمان والكويت لهجمات استهدفت البنية التحتية والمناطق السكنية وأمام هذا المشهد، سارعت القاهرة عبر مؤسساتها الرسمية، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية، إلى إصدار بيانات شديدة اللهجة تدين هذه «الاعتداءات الآثمة»، معتبرة إياها انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولى وسيادة الدول.
لقد أكدت الدولة المصرية أن استهداف منشآت الطاقة والمطارات المدنية والمجمعات السكنية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة ليس مجرد عمل عسكري، بل هو تهديد مباشر للسلم والأمن الدوليين، ومحاولة لجر المنطقة إلى صراع شامل ذى تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمى وإمدادات الطاقة. وينطلق الموقف المصرى من قناعة راسخة بأن أمن الخليج هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصري. وتدرك القاهرة أن أى خلل فى أمن الخليج سيؤدى بالضرورة إلى اضطراب فى منطقة الشرق الأوسط ككل،وتعكس الإدانات المصرية المتكررة سواء فى المحافل الثنائية أو من خلال جامعة الدول العربية روح التضامن العربي. وقد شدد الرئيس عبدالفتاح السيسى فى اتصالاته ولقاءاته الأخيرة مع قادة دول الخليج على أن مصر تقف بكامل ثقلها مع أشقائها، وأن التنسيق المصري-الخليجى هو الضمانة الأقوى لمواجهة التحديات الراهنة.
دائماً ما تطالب مصر بضرورة احترام مبادئ «حسن الجوار» وعدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدول. وترى القاهرة أن السلوك الإيرانى الأخير يضرب هذه المبادئ فى مقتل، ولم تكتفِ مصر بالإدانة اللفظية، بل تحركت عبر عدة مسارات لاحتواء الموقف وشرح خطورة التصعيد والمطالبة بضغط دولى لوقف الهجمات الإيرانية. وكذلك الحفاظ على أعلى درجات التنسيق مع غرف العمليات فى دول الخليج لتبادل المعلومات وضمان وحدة الصف فى مواجهة التهديدات المشتركة. وبرز دور الأزهر الشريف فى إدانة هذه الاعتداءات من منظور شرعى وإنساني، مؤكداً أن ترويع الآمنين واستهداف المنشآت المدنية هو خروج عن كافة القيم والأعراف.
إن إدانة مصر للعدوان الإيرانى تحمل رسائل واضحة للداخل والخارج، فإلى الأشقاء العرب هى رسالة طمأنة بأن مصر هى السند والظهير. وإلى المجتمع الدولي، هى تحذير من أن الصمت على مثل هذه التجاوزات سيؤدى إلى «فوضى عارمة» تتجاوز حدود المنطقة. أما إلى الطرف المعتدي، فهى رسالة حسم بأن المساس بأمن الخليج هو مساس مباشر بالقاهرة، وأن الحفاظ على استقرار المنطقة هو خيار إستراتيجى لا يمكن التنازل عنه.
يبقى الوعى بحجم التحديات الإقليمية هو المحرك الأساسى للسياسة المصرية. إن إدانة مصر للعدوان الإيرانى على دول الخليج ليست مجرد انحياز سياسي، بل هى دفاع عن نموذج «الدولة الوطنية» المستقرة فى مواجهة الفوضى والتدخلات الخارجية. وفى ظل عالم مضطرب، تظل القاهرة والرياض وأبو ظبى والدوحة وبقية العواصم الخليجية يشكلون النواة الصلبة التى تحمى ما تبقى من أمن قومى عربي، مدركين أن المصير المشترك يتطلب وقفة صلبة ترفض الإملاءات وتتصدى للاعتداءات بكل حزم.









