يأتى عيد الفطر هذا العام مثقلاً بواقعٍ عربى وعالمى مضطرب، تتداخل فيه مشاهد الفرح مع صور الألم، حتى يكاد السؤال القديم للمتنبى يعود حيًا بيننا: «عيدٌ بأيّة حالٍ عدتَ يا عيد؟». لكنه ليس سؤال شاعرٍ فقط، بل سؤال أمة تبحث عن معنى وسط الضجيج.
>>>
لم يكن المتنبى فى قصيدته يبكى حال الأمة، بل كان يعبّر عن خيبته الشخصية وأحلامه التى لم تتحقق. وهنا تكمن المفارقة التى نعيشها اليوم؛ إذ كثيرًا ما نُسقط على الواقع ما نريد أن نراه، لا ما هو قائم بالفعل. فنخلط بين الحقيقة والرغبة، وبين الوعى والتمني.
>>>
فى زمن الحروب، يفقد العيد جزءًا من ملامحه التقليدية. هناك من لا يجد بيتًا ليزيّنه، ولا عائلةً ليجتمع معها، ولا حتى أمانًا يطمئن إليه. فى غزة، فى السودان، فى مناطق نزاع متعددة، يصبح العيد لحظة صمود أكثر منه لحظة فرح. ومع ذلك، لا يغيب العيد تمامًا، بل يتغير شكله، ويصبح أكثر عمقًا وأشد صدقًا.
>>>
العيد ليس مجرد طقوس مكررة، ليس ملابس جديدة ولا زيارات شكلية، بل حالة إنسانية تُعيد ترتيب الداخل قبل الخارج. وإذا كنا نحتفل دون أن نتوقف لنسأل أنفسنا: ماذا تغيّر فينا؟ فنحن نعيد إنتاج نفس الدائرة كل عام دون وعي.
>>>
نحن أحيانًا نقع فى عبودية غير مرئية؛ عبودية أفكار موروثة، أو تصورات غير دقيقة، أو تقديس لصور لا أصل لها. نردد كلمات ونرفع شعارات، لكننا لا نُعمل العقل ولا نراجع المعني. وهنا يصبح العيد فرصة حقيقية للتحرر، لا من القيود الخارجية فقط، بل من القيود الداخلية أيضًا.
>>>
التحرر لا يعنى التمرد، بل الفهم. أن نعرف لماذا نحزن، ولماذا نفرح، ولماذا نتمسك ببعض الأفكار دون غيرها. أن نقرأ التاريخ كما هو، لا كما نحب أن يكون. وأن نواجه واقعنا بصدق، لا بهروبٍ مؤقت خلف مظاهر العيد.
>>>
وسط كل هذا، يبقى العيد رسالة أمل، لكنه أمل واعٍ لا ساذج. أمل يدرك حجم الألم، لكنه لا يستسلم له. أمل يفتح باب المراجعة، لا باب الإنكار.
>>>
لعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذا العيد، ليس لحظة فرح عابرة، بل خطوة نحو وعيٍ أعمق، ونفسٍ أكثر حرية، وقدرةٍ على رؤية الأشياء كما هى.
>>>
كل عام وأنتم بخير.. بوعيٍ يحرر، وقلبٍ لا يفقد انسانيته مهما اشتدت الأزمات









