فى كل مجتمع لحظة اختبار حقيقية لضميره الإنساني، تظهر عندما يتعلق الأمر بالفئات الأضعف، خصوصًا الأطفال الذين يواجهون أمراضًا قاسية منذ سنواتهم الأولي، ومن بين هذه الأمراض يأتى ضمور العضلات، وهو مرض وراثى يؤدى إلى تدهور تدريجى فى قوة العضلات وقد يسبب مضاعفات خطيرة فى القلب والجهاز التنفسي، ويحوّل حياة الأسر إلى سباق يومى مع الزمن.
لا يمكن القول إن المشكلة تكمن فى غياب القوانين، فقد صدر قانون حقوق الأشخاص ذوى الإعاقة رقم 10 لسنة 2018 باعتباره خطوة مهمة فى الاعتراف بحقوق هذه الفئة. لكن التحدى الحقيقى يظل فى الفجوة بين النصوص القانونية والواقع الذى تعيشه الأسر يوميًا. فالقوانين تبدو متقدمة على الورق، بينما يظل التطبيق بطيئًا أو محدودًا.
تشير دراسات وبائية إلى أن معدل انتشار أمراض ضمور العضلات يقترب من 26.8 حالة لكل 100 ألف شخص، وهو رقم ليس ضئيلاً بالنظر إلى حجم السكان. أما النوع الأشهر من المرض، وهو ضمور العضلات الدوشيني، فيصيب طفلًا واحدًا تقريبًا من كل 3500 مولود ذكر حول العالم. هذه الأرقام تعنى أن آلاف الأسر المصرية تخوض هذه المعركة بصمت، فى ظل منظومة دعم ما تزال غير كافية.
ضمور العضلات ليس مجرد ضعف عضلي، بل حالة معقدة تحتاج إلى متابعة مستمرة للقلب والجهاز التنفسي، إضافة إلى جلسات علاج طبيعى وتأهيل حركى منتظمة، ورغم ذلك ما تزال المراكز المتخصصة فى الأمراض العصبية والعضلية داخل المستشفيات الحكومية محدودة، ما يدفع كثيرًا من الأسر إلى البحث عن العلاج فى القطاع الخاص أو حتى خارج البلاد، وهو ما يمثل عبئًا ماليًا ونفسيًا هائلًا.
لابد من تدخل سريع لتوفير العلاجات المعتمدة عالميًا، وعلى رأسها العلاجات الجينية الحديثة وبعض الأدوية الداعمة التى تساعد فى إبطاء تطور المرض وتحسين جودة حياة الأطفال، وبإدراج هذه العلاجات ضمن بروتوكولات التأمين الصحى وتغطية تكاليف التحليل الجيني، الذى يعد أساسًا فى التشخيص والعلاج.
وتفعيل الأحكام القضائية الصادرة لصالح المرضي، وإدراج المرض ضمن برامج المبادرات الصحية وصندوق مواجهة الطوارئ الطبية للأمراض النادرة، إضافة إلى إنشاء وحدات متخصصة لضمور العضلات فى كل محافظة تضم فرقًا طبية متعددة التخصصات.
كثير من الأطفال المصابين بضمور العضلات يواجهون صعوبات فى الالتحاق بالمدارس بسبب عدم تهيئة المبانى أو غياب منحدرات الكراسى المتحركة، ما يضطر بعضهم إلى الدراسة من المنزل أو الانسحاب من التعليم، وتتحمل الأسر تكاليف باهظة للعلاج الطبيعى والأجهزة التعويضية، إلى جانب الضغوط النفسية الكبيرة التى تقع على عاتق الآباء والأمهات.
التعامل الجاد يتطلب رؤية حكومية شاملة تترجم الإرادة السياسية الواضحة فى دعم هذه الفئة وذلك من خلال بإنشاء برنامج وطنى للأمراض النادرة يتضمن سجلا دقيقا للمرضي، ودعم الفحوصات الجينية، وتوسيع تغطية العلاج ضمن منظومة التأمين الصحي، والتوسع فى إنشاء مراكز متخصصة للعلاج والتأهيل وتطبيق فعلى للتعليم الدامج مع توفير متخصصين سواء من الاطباء او المدرسين، لسنا بصدد الحديث عن مجرد ملف صحي، بل قضية عدالة اجتماعية وإنسانية.









