فى أوقات الأزمات الكبرى تظهر قيمة الدولة القادرة على التواصل مع الجميع، ومصر تمتلك هذه القدرة بحكم موقعها الجغرافى وثقلها السياسى وتاريخها الطويل فى إدارة الأزمات الإقليمية، وأيضاً وهو الأهم تميزها عن غيرها من الشعوب بتماسك جبهتها الداخلية، التى تمثل خط الدفاع الأول فى أوقات الأزمات والحروب، وتجاوز التحديات الاقتصادية والاجتماعية مما يمنع الانقسام ويضمن الصمود الوطنى أمام حالة الحرب والعدوان على الوطن ومقدراته، فالشعب المصرى بكل تجاربه السياسية قد إصطف فى زمن الحرب فى جبهة شعبية متماسكة وواسعة للدفاع عن الوطن. لذلك جاءت كلمات الرئيس السيسى خلال حفل إفطار الأسرة المصرية لتحمل العديد من الرسائل المهمة التى تعكس نهج الدولة فى مصارحة المواطنين بحقائق الأوضاع الإقليمية والاقتصادية، والتأكيد على أن الدولة تدير المرحلة الحالية بقدر كبير من المسئولية والشفافية. وأن الدولة تدرك حجم الضغوط التى يتحملها المواطنون فى ظل الظروف الاقتصادية العالمية الراهنة، مما يعكس حرص القيادة السياسية على التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادى والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. دعوة الرئيس إلى تماسك المصريين والوعى بحجم التحديات التى تمر بها المنطقة تعكس أهمية وحدة الصف الوطنى إيمان القيادة السياسية بأن الشعب المصرى كان دائماً قادراً على تجاوز الأزمات بفضل وعيه وثقته فى مؤسسات دولته. ومن هذا المنطلق فإننا نرى أن تحصين الجبهة الداخلية فى أوقات الحرب، ومقاومة الضغوط الناتجة عن الصراع، ومجابهة التحديات الخارجية، هو فرض دينى وواجب وطني، ولكن هذا التماسك يحتاج إلى خلطة إستراتيجية تقوم على أولا: تكاتف المجتمع كله، بدءاً من الأفراد وانتهاء بمؤسسات الدولة، مع العلم أنه فى إستراتيجيات الحروب الحديثة أن المنتصر ليس من يملك الصاروخ الأطول مدى ولا الطائرة الشبحية، بل من يملك شعبا أكثر قدرة على الصبر والثبات، وجبهة داخلية صامدة وناجحة فى حرمان العدو من تسجيل صورة النصر الأخيرة، وهو ما يتصف به شعب مصر العظيم الذى صبر وثبت فى وجه الشدائد منذ الإحتلال الإنجليزى مروراً بهزيمة يونيو 1967 وحتى 2011 وما أعقبها من تغلغل وإنقضاض الإخوان. ثانيا: تعزيز الطاعة والإنضباط، عبر ضرورة توحيد الصف، ومنع التنازع، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وتغليب الانضباط على الأهواء الفردية. والطاعة هنا هى الالتزام المؤسسي، والإقرار بخطط القيادة، وهو ما تيقن لنا من خلال نهج المصارحة الذى يتبناه الرئيس مع الشعب وهذا الأسلوب يعزز الوعى المجتمعى ويقوى الثقة بين القيادة السياسية والشعب. وفى المقابل فإن من واجب الحكومة العمل على تحصين الجبهة الداخلية ليس فقط بالدفاع العسكرى ولكن عبر حماية المواطنين، واستقرار الاقتصاد، وضمان استمرار مؤسسات الدولة فى تقديم خدماتها الحيوية.
نقول ذلك بدافع الافتخار بشعب وحضارة مصر التى تمثل هاجس للشعوب الأخرى وعلى رأسها الكيان المحتل فهو ليس بالمجتمع المتجانس الذى حاولت الرواية الصهيونية تصويره فى الماضي. هو مجتمع شديد الإنقسام. فالأزمة التى عاشتها إسرائيل خلال الجدل حول تعديل النظام القضائى قد كشفت عمق هذه الانقسامات.
المجتمعات الكبيرة والمستقرة تاريخيا فقط مثل الدولة المصرية تكون قادرة على الصمود لفترات طويلة. أما المجتمعات التى تعانى أصلا من انقسامات عميقة مثل إسرائيل فإنها تكون أكثر هشاشة أمام الإستنزاف. وبالتالى فنحن الآن أمام معركة مختلفة تماما، معركة تتعلق بصلابة المجتمع قبل أى شيء آخر. وللحديث بقية إن شاء الله.









