ملاحظات عديدة كشفت عنها الحرب «الأمريكية – الإسرائيلية» على إيران، من بين هذه الملاحظات أننا نعيش زمن «الغطرسة الصهيونية» التى بلغت مداها بشن الحرب الحالية ضد طهران وجعلت بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء يتحدث بلغة الستينيات من القرن الماضى ويعيد علينا أوصاف جيش الاحتلال الذى لا يقهر وأن إسرائيل لن تتوقف عن تنفيذ ما جاء فى التوراة والتعاليم الدينية فى إشارات واضحة عن «إسرائيل الكبرى» .. الملاحظة الثانية هى هذه المتناقضات الأمريكية التى لم نر مثلها من قبل ، فهى تشارك إسرائيل فى الحرب ضد إيران وتتغاضى عن المعلومات التى تتلقاها طهران من روسيا وتساعد الأخيرة فى رفع العقوبات والاستفادة من مخزونها النفطى، أيضا استعداء الصين فى بعض المواقف واستمالتها فى مواقف أخرى فضلا عن الاستعدادات التى تبديها بكين حاليا للقاء المرتقب بين الرئيسين الأمريكى والصينى .. أما الملاحظة الثالثة والجديرة بالاهتمام فهى أن الدول العربية ومنذ اشتعال الحرب ضد إيران بدت «وحيدة» وبلا حليف حقيقي، لاسيما الولايات المتحدة التى أعطت ظهرها للجميع مقابل تحقيق المصالح الأمريكية والأطماع الإسرائيلية، بغض النظر عن الخراب الذى قد يلحق بالمنطقة.
>>>
هذه الصورة «الدراماتيكية» شديدة التعقيد تكشف إلى حد بعيد خطورة الوضع الذى تعيشه معظم الدول العربية فى الوقت الراهن، والذى يتطلب إعادة التفكير فى أمور كثيرة يتصدرها كيفية الاستفادة من الثروات العربية « النفطية والبشرية » إلى جانب الموقع الإستراتيجى للكتلة العربية فى قلب العالم وتحكم هذه الكتلة فى أهم خطوط الملاحة العالمية ، كذلك اعادة التفكير فى العلاقات «العربية – العربية » من جهة والعلاقات «العربية – الاقليمية » من جهة أخرى، إذ لابد أن نعترف أنه بعد مضى أكثر من 80 عاما على إنشاء جامعة الدول العربية لم تصل العلاقات بين العرب للقوة المطلوبة ولم يستطع العرب تنفيذ مبادرتهم تجاه القضية الفلسطينية باعتبارها «القضية الأم» فى وقت يعربد فيه الاحتلال الإسرائيلى بأراضى فلسطين فى الضفة وغزة، وبالنسبة للعلاقات العربية الإقليمية فقد كان واضحا أن هناك تباينا فى علاقات الدول العربية مع دول الاقليم لاسيما بعد ما نشأت ما تسمى بدول السلام مع إسرائيل تحت راية ما يطلق عليه « الدين الابراهيمى»، وحقيقة فقد بدت هذه الخطوة متعجلة بدرجة كبيرة خاصة أن ملفات القضية الفلسطينية مازالت مفتوحة كما أن «الغطرسة الصهيونية» فى ظل السلام « الجديد» وصلت إلى درجة شن حرب إبادة ضد غزة استمرت نحو عامين وراح ضحيتها مئات الآلاف من الفلسطينيين بين شهداء وجرحى.
>>>
الكارثة هنا أن الدول العربية وسط كل هذه المتناقضات بنت إستراتيجيتها على ترحيل حل القضايا المشتركة الملحة والحتمية، ليس فقط على مستوى القضية الفلسطينية «الأساسية »، ولكن على مستويات أخرى تبدو أقل أهمية ولكنها فى النهاية أسفرت عن وضع عربى «هش»، فلم تنجح الدول العربية فى تحقيق تكامل اقتصادى حقيقى أو العمل من خلال منهج علمى موحد، أو تحقيق الاكتفاء الذاتى فى الزراعة والصناعة، فضلا عن عدم قبول فكرة إقامة نظام أمنى شامل أو قبول العمل من خلال اتفاقية الدفاع العربى المشترك، كل ذلك ساهم فى تكريس حالة الضعف العربى تارة لمصلحة إيران ومنحها الفرصة لإقامة أذرع عسكرية لها فى العراق ولبنان وسوريا واليمن وإضعاف الجيوش الوطنية فى هذه الدول، وتارة أخرى بعقد بعض الدولة العربية السلام الإبراهيمى مع إسرائيل ومنح الأخيرة التحرك بأريحية فى السموات العربية وإقامة علاقات من شأنها تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية للكيان الصهيوني، واستغلال الكيان هذه الأجواء فى ممارسة المزيد من «الغطرسة الصهيونية» واحتلال المزيد من الأراضي، وصولا لحالة التبجح الإسرائيلية القصوى بالإعلان عن أوهام إقامة إسرائيل الكبرى من الفرات للنيل، وتلويح نتنياهو بخريطة «دولته المشئومة» أمام قادة دول العالم فى أحد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتجديد هذا التلويح بين الحين والآخر أمام وسائل الإعلام العالمية.
>>>
وحقيقة ووسط كل هذه الأمواج المتلاطمة، يبقى دور مصر العربى والقومى أنموذجا يستدل به فى المنطقة والمحافل الدولية ، وهذا الوصف لا يأتى من منطلق «شوفاني» محدود ، ولكن بالحسابات الدقيقة وبالورقة والقلم، فمصر التى خاضت أربع حروب ضد إسرائيل اختارت فى النهاية توقيع اتفاقية سلام عام 1979 لتوفير التكلفة العالية للصراع ولاستعادة باقى الأراضى المحتلة فى سيناء ، أيضا فقد كافحت مصر على مدى عقود لتحقيق التوازن بين بناء دولة متقدمة ، وبين تطوير القوات المسلحة وجعلها قادرة على حماية مقدرات الوطن ، مستفيدة فى ذلك من سياستها الواضحة والقائمة على إقامة علاقات متوازنة مع كل القوى الكبرى فى العالم بما يسمح بالحفاظ على الدولة وقراراتها السيادية.. ويمكن القول إنه من خلال هذه الثوابت المصرية، تمكنت القاهرة من مواجهة كل المؤامرات الاستعمارية و «الغطرسة الصهيونية» ومنع تصفية القضية الفلسطينية، كما أن الحرب فى إيران الحالية ضاعفت من أهمية الدور المصرى لخفض التصعيد بالإقليم ولدعم الدول العربية فى تحدياتها الراهنة.. والبحث عن سبيل لتحقيق السلام الشامل بالمنطقة.









