بين مطرقة توازنات الموت وصناعة «العدو البديل» والمشروعات الاستيطانية الصهيو امريكية وسندان القوى الإقليمية المتصارعة، يقف الشرق الأوسط اليوم أمام لحظة فارقة تعيد صياغة مستقبله لسنوات طويلة .
صحيح ان السنوات فى تقويمنا لاتزيد عن فيمتو ثانية فى عمر الشعوب والدول لكن علينا أن ندرك أن المشهد الراهن ليس مجرد «اشتباكات حدودية» أو «أزمات عابرة»، بل هو نتاج تخطيط طويل الأمد يهدف إلى إعادة توجيه بوصلة الصراع، واستنزاف المقدرات والقدرات، وصولاً إلى ما يُعرف بـ«الشرق الأوسط الجديد» على المقاس «الصهيو- أمريكى».
والبداية فى مقدمة السيناريو كانت تجهيز«إيران» كعدو بديل للعرب بدلا من إسرائيل من خلال إستراتيجية نقل الصراع واستنزاف الثروات.
وبدأت الملامح الأولى لهذا المشهد تتبلور حين نجحت السياسة الأمريكية فى تصدير و«صناعة» عدو جديد للمنطقة العربية، حيث تم تقديم إيران كبديل للعدو الإسرائيلى التاريخى التقليدي… والهدف من هذه المقايضة السياسية هو نقل مركز الصراع من «عربى- إسرائيلى» إلى «عربى- إيرانى».
وهذا التحول لم يكن مجرد مناورة سياسية فحسب، بل كان بمثابة «بوابة ذهبية» لاستنزاف الأموال العربية وتشتيت الرؤية بعيدا عن العدو الحقيقى فقد تم تسويق السلاح الأمريكى والتحالفات والقواعد العسكرية الأمنية المريكية بديلا عن البريطانية تحت ذريعة حماية دول الخليج من «الغول الإيرانى». والمفارقة الصارخة هنا تكمن فى لحظة الحقيقة التى كشفت الهدف؛ فحين وقعت الاحتكاكات والاعتداءات التى صورها الإعلام الأمريكى كتهديد وجودى للدول العربية، لم تتحرك القواعد الأمريكية المنتشرة فى المنطقة لحماية حلفائها، بل وصل الأمر إلى تعرض بعض هذه القواعد نفسها للضرب، مما كشف هشاشة «مظلة الحماية» المزعومة مقابل فاتورة باهظة تم دفعها
وسقطت ورقة التوت عن المشروع الاستيطانى الحقيقى والسعى للقيادة الإسرائيلية المطلقة للمنطقة.. كيف؟
بسعى إسرائيل بخطى حثيثة ومدروسة نحو تثبيت مشروعها الاستيطانى والاستعمارى المتمدد، ليس فقط فى الأراضى الفلسطينية، بل فى قيادة المنطقة بأكملها نحو إسرائيل الكبري، لكن تقف عقبات نحو الحلم، ترى تل أبيب عدة قوى اقليمية مناوئة لمشروعها.
وللوصول لتحقيق الخريطة المزعزمة لإسرائيل الكبرى التى تبتلع المنطقة كلها بدأت تل ابيب «تحييد» أو تدمير قدرات هذه القوى ليخلو لها الجو تماماً بعد إحكام السيطرة على الأراضى الفلسطينية واتفاقيات التطبيع، ونعيش خطوة ضرب إيران لإزالة أول عائق من القوى الإقليمية الكبرى أمام حلم «إسرائيل الكبري» لتسيطر سياسياً واقتصادياً على مقدرات الإقليم.
نعيش الآن محاولة خلق «الشرق الأوسط الجديد».. بالعبث بالخرائط والحدود وإثارة الفتن والنزاعات لتمزيق الجسد العربي.
ومن الظلم ان نقول ان المخطط صناعة إسرائيلية خالصة، ولكن هدف أمريكي- غربى بعد إجلاء الوجود الروسى من ليبيا وسوريا ومحاولة تدمير التمدد الصيني، لذلك تحاول واشنطن اليوم تنفيذ المخطط الذى أعلنته ببجاحة منذ سنوات كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية السابقة بإعادة تشكيل «الشرق الأوسط الجديد» من خلال الفوضى الخلاقة، عبر إثارة الأزمات واشعال النيران كلما خمدت، والتحكم فى إيقاع التوترات بما يخدم مصالحها العليا، إنها عملية «جراحة قيصرية» للخرائط، بغض النظر عن الضحايا، عملية تُجرى أمامنا بأدوات الفوضى الخلاقة لضمان خضوع المنطقة للهيمنة التكنولوجية والعسكرية والاقتصادية الصهيو- أمريكية…
والمراقب للمشهد يرصد «فنون الانتظار» لـ«التنين الصينى والدب الروسى» الذى تم اغراقه فى أوكرانيا، فبينما تحترق المنطقة، يبدو الموقف الروسى والصينى غامضاً أو «غير ظاهر» للوهلة الأولي، لكنه فى الحقيقة موقف إستراتيجى بامتياز لهم والضحيه «نحن».. كيف؟
روسيا تبارك بصمتها غرق الولايات المتحدة فى «المستنقع الإيراني»، تماماً كما حاولت واشنطن إغراق موسكو فى المستنقع الأوكرانى ومن قبل أفغانستان، يعنى نحن ضحايا عملية تصفية حسابات دولية بأدوات إقليمية.
وتقف الصين «موقف المراقب والمتفرج» الرابح، فالصين هى المنتصر الأكبر حتى الآن؛ فهى لم تشارك وتستنزف فى حروب مثل روسيا وواشنطن، ولم تدفع دولارات من خزائنها فى تغذية آلة الموت، بل توظفها للأسراع فى تقدمها للسيطرة قريبا وتنتظر بكين خروج الجميع منهكين لتفرض سطوتها الاقتصادية الناعمة على أنقاض الجميع.
لكن السؤال من يدفع الثمن؟
الحقيقة المرة التى تتجاهلها التقارير الرسمية هى أن تكلفة هذه الحرب المباشرة وغير المباشرة يتحملها العرب وحدهم، والرابح الجميع، ونحن وحدنا الخاسرون، ويكفى ان نعرف إن مصانع السلاح الأمريكية، أقصد مصانع الموت تعمل الآن بكامل طاقتها لإنتاج أدوات الدمار والموت، ويتم تمويلها بأموال عربية، النتيجة المأساوية أن الثروات العربية بعد ان تتم السيطرة عليها فى المؤسسات المالية الامريكية، وما تبقى يُستخدم الآن لقتل العرب وتشريدهم وتبديد قوة إيران فى آن واحد، وطبعا كل ذلك يصب فى مصلحة تأمين التفوق الإسرائيلى المطلق.
ولن تتوقف هذه الحرب الآنية الا بعد صراخ العالم كله من فاتورة هذه الحرب، وقد بدأ، بعد تهديد تدفق البترول من مضيق هرمز وإرتفاع أسعاره إلى أكثر من الضعف، يعني» يعملوها الكبار وتقع فيها الشعوب»!
وأخيرا يبقى السؤال: هل يدرك اللاعبون الإقليميون بصمتهم أنهم وقود لنار لا تحرق إلا أصحابها؟









