لم تعرف البشرية شهراً مثل رمضان.. تضاعف فيه الحسنات.. يمتنع فيه المسلم عن الشهوات والغرائز.. شهر يحرص كل منا على صلة الرحم.. حيث العزومات والزيارات واللقاءات العائلية.. وتجديد الصلة بالأهل والأقارب والأصدقاء.. شهر يحرص فيه الجميع على أفعال الخير.. يتسابقون فيه إلى توزيع شنطة رمضان.. شهر التسامح والمغفرة.. شهر التسابق إلى اتقان العبادة.. والإقبال على الصلوات فى المساجد حتى صلاة الفجر.. شهر قراءة القرآن.. الكل يقرأ.. والسؤال المعتاد.. أنت فى الجزء الكام؟ حتى أصبحت قراءة القرآن من المتطلبات التلقائية لرمضان.. العجيب أن كل هذه العبادات نفعلها بكل سعادة.. وتشعر وكأنك مدفوع دفعاً ذاتياً لأدائها.. وفيه ليلة خير من ألف شهر.. «ليلة القدر».. التى نزل فيها القرآن الكريم.. يحمل هدى الله للبشر جميعاً.. ونحن جميعاً نحرص على إحياء ليلة القدر.. لأن الله كرمها.. فهى ليلة ميلاد القرآن الكريم.. تصديقاً لقول الحق «إنا أنزلناه فى ليلة القدر».. اختارها الله.. لا تزال اكبر حدث بالنسبة للبشرية.. جعلها الله سبحانه.. ليلة لتجليات الحق سبحانه وعطاءاته ..
تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر.. وقد حصلت هذه الليلة على القدر من التقدير والقدر.. ثم يعزز الله هذه الليلة بقوله : « وما أدراك ما ليلة القدر «.. وهو ما يعنى أنه لا أحد يعرف قدرها إلا الله سبحانه وتعالي.. فإن قدرها عظيم.. لا يستوعبه أحد باجتهاده أو علمه إلا الله.. فالخير فيها أكثر من أن يدركه البشر.. إنما يدركه « الخبير ».. «المهيمن ».. الذى اختارها.. لإنزال خير ما أنزل.. وهى خير من ألف شهر.. أى خير من عبادة 84 عاماً.. ولنا أن نتخيل عظمة هذه الليلة.. انها هى خير من الزمن.. كل الزمن.. الأكثر من ذلك.. تنزل الملائكة والروح فيها فى هذه الليلة.. تنزلت لخير الله فى الأرض.. من حقنا أن نفرح بقدوم رمضان.. ونحزن لفراقه.. ومن المعروف أن رسول الحق- صلى الله عليه وسلم- قال: «كنت قد خرجت لأخبركم بليلة القدر.. إلا أنه تلاحم «تشاجر» فلان وفلان فى المسجد.. فرفعت «منعت» عني.. فالتمسوها فى العشر الأواخر».. وكأن الله سبحانه أراد أن يخبرنا بأن التشاحن هو ميدان الشيطان لمعارك الشر.. وأن ذلك يمنع الخير.. وإنما الصفاء والنقاء والإخلاص يستدعون الخير.. فالله سبحانه يحب من خلقه الإخاء والصفاء.. فهو القائل سبحانه: «والذين اهتدوا زادهم هدي».. ويكفى أن نعرف أن تنزيل القرآن منسوب إلى الله سبحانه وتعالي.. مصداقاً لقوله «وبالحق أنزلناه وبالحق نزل».. وأيضاً قوله سبحانه: «إنا أنزلناه فى ليلة القدر».. يقول فضيلة الشيخ متولى الشعراوي: «إن الله سبحانه وتعالى حين نسب القرآن إلى ذاته.. والنزول به إلى جبريل.. معناه أن جبريل حمله كما هو.. كما أنزله الله.. إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- وأنه كما أنزله الله سبحانه.. لم يجر فيه أى تعديل أو تبديل»..
من هنا أقول.. إن شهر رمضان الذى نودعه.. إنما هو من أجل أن تعم رحمة الله الدنيا كلها.. بفضل من الله ورحمة.. وهذه الرحمة من القرآن الذى لو قرأناه بتدبر واتبعناه.. لأذهب عنا الخوف والهم والحزن.. فإن الحق سبحانه يقول فى كتابه الحكيم.. «لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين».. ويعقبها بقوله: «فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجى المؤمنين».. أى أن كل مؤمن يردد: «لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين».. ينجيه الله من الغم والحزن..
ولنتوقف أمام رسالة سيدنا- محمد صلى الله عليه وسلم- أنه رحمة للعالمين.. وأن الله منحنا فرصة للتوبة.. فقال سبحانه: «وما كان الله ليعذبهم وأنت «يا محمد» فيهم.. وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون».. وهنا نقول: إن الله أرسل نبيه فعلاً رحمة للعالمين.. «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»..
فى الختام أقول: اللهم تقبل صيامنا وصلاتنا وقيامنا.. وبلغنا رمضان أعواماً عديدة..
وكل عام وأنتم بخير..









