مع نهاية شهر رمضان، يحين وقت الوقوف مع النفس وقفة صادقة للمراجعة والتقييم. ينبغى علينا أن نتساءل: هل تغيّرنا فعلاً؟ هل تحسنت علاقتنا بالله، وبالناس من حولنا، وبمجتمعنا الذى نعيش فيه؟ شتان بين ما أراده الله لنا من رمضان، وبين ما نفعله بأنفسنا فيه. جاء هذا الشهر للتزكية الروحية، ولتصحيح السلوكيات، وإعادة الروابط الاجتماعية، لكن كثيراً منا يغفل عن هذه الغاية، ويستمر فى الانغماس فى الغيبة والنميمة والحقد والغل والحسد، وفى إيذاء الآخرين بلا ذنب.
عمليًّا.. هل توقف الموظف عن تلقّى الرشاوى المقنّعة التى يراها حقاً له مقابل قضاء مصالح الناس؟ وهل يبتسم الموظف فى وجه من يتعامل معه من الجمهور، ويزيل أسباب شكاواهم، ويقدّم لهم الخدمة بيسر وسهولة؟ وهل يرحم كبارنا صغارنا، وأغنياؤنا فقراءنا، ومسئولونا مواطنينا، وهل يوقر صغارنا كبارنا؟ وهل وصلنا أرحامنا التى قطعت أكثر رغم ثورة الاتصالات وتطورها الهائل؟ وهل خففنا عن المنكوبين آلامهم، وقضينا عن الغارمين ديونهم حتى لا يسجنوا بلا ذنب سوى العجز عن السداد؟
إن الصوم حكمة كبرى لا يبلغها إلا من فهم غايتها وعلم قدرها. فمن أراد أن يرى أثر رمضان فى نفسه، فلينظر ماذا تغيّر من سلوكياته وأفعاله. فإذا تحوّل الصوم إلى فعل رشيد يرضاه الله وينفع الناس، فقد بلغ الغاية من تشريع الصوم، كما قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» «البقرة: 183»
هذه هى الغاية من فريضة الصيام والهدف الأساسى منها، وهو التقوى ومحاسبة النفس، وهو ما يتماشى مع روح المراجعة الذاتية المطلوبة من كل واحد منا.
فالغاية من الدين ليست شعارات فحسب، بل معاملات وسلوكيات وأفعال تُترجم الإيمان إلى واقع ملموس، يتحقق من خلال مراعاة حقوق الآخرين والعمل الصالح.
أما المواطن، فمطلوب منه مراجعة عاداته وممارساته اليومية، فمثلًا: هل توقف التجار عن جشعهم؟ هل كبح الناس شهواتهم وأفعالهم السلبية؟ هل تصالح المتخاصمون واتحد المتفرقون على حبل الله المتين؟ هل بذلنا قصارى جهدنا لنكون شركاء فى بناء مجتمع متماسك، يواجه التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ويقف صفًا واحدًا أمام كل التحديات الجيوسياسية؟ وهل التزمنا بأداء واجبنا الوطنى نحو بلدنا، من خلال الالتزام بالقوانين، والامتناع عن استغلال الأزمات الاقتصادية، والتعاون مع الدولة لتخفيف الضغوط عن المحتاجين؟
فالغاية من رمضان هى التربية على الصبر، والانتصار على النفس، وتحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات. فالالتزام بالمسئولية الفردية لا يقل أهمية عن تطبيق السياسات العامة، وهو ما يضمن أن يصبح المجتمع قادرًا على مواجهة الأزمات الداخلية والخارجية على حد سواء. ومن هنا يتبين أن الشهر الفضيل لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو تدريب عملى على الانضباط، وضبط النفس، وتحمل المسئولية، كما كان منجزًا للمسلمين فى الانتصارات التاريخية، وأبرزها نصر أكتوبر 1973، الذى تحقق فى هذا الشهر الكريم.
وعلى الحكومة أن تتحمل مسئولياتها بشكل صارم وعملي، وأن تراجع سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، وتضع فى اعتبارها تأثير كل قرار على المواطنين، خاصة محدودى الدخل. فهل التزمت الحكومة بتوجيهات الرئيس ونزلت إلى الأسواق لتراقب وتفعّل القرارات والوعود التى قطعتها على نفسها، مثل تحويل التجار الجشعين الذين يتاجرون بأقوات الناس للقضاء العسكرى كما صرح الرئيس، حتى يتحقق الانضباط وتتوقف زيادات الأسعار بلا مبرر؟ وهل وضعت الحكومة برامج حقيقية للتكافل الاجتماعي، ورعاية الفقراء، وضمان حقوق الجميع فى الخدمات الأساسية؟ وهل أخذت فى الحسبان تأثير الأوضاع الجيوسياسية على الاقتصاد الوطني، ووضعت خططًا للتخفيف من آثارها على المواطنين؟ وهل تراقب الحكومة الأسواق يوميًا، وتتعامل مع التجار المحتكرين، وتضمن استقرار الأسعار وعدم استغلال الأزمات؟
الناس تنتظر من الحكومة أن تطرح رؤية واضحة لمعالجة أزمات الأسعار والتضخم من جذورها، بدل الحلول المؤقتة التى تثقل كاهل المواطنين دون معالجة الفساد أو سوء إدارة الموارد. فهل هناك خطط لدعم الإنتاج المحلي، وخفض تكلفة الوقود والطاقة، وتحسين كفاءة الإنفاق العام؟ وهل هناك برامج تعليمية وتدريبية لتأهيل الشباب ليكونوا قوة اقتصادية قادرة على المنافسة بدلاً من الاعتماد على الدعم والاقتراض؟
أما البرلمان، فهو مطالب بمراجعة الحكومة بصرامة، وتفعيل أدوات الرقابة كما حددها الدستور، وتقديم حلول عملية تمنع تحميل المواطن أعباء لا طاقة له بها. هل راجع البرلمان كل السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتخذة، وهل توصل إلى نتائج ملموسة لحماية المواطنين من الاستغلال؟ هل قام بدوره فى تحفيز الحكومة لتطبيق القانون بحزم، وحماية محدودى الدخل؟ هل حرص على تمثيل مصالح الشعب بالكامل، خاصة الفقراء ومحدودى الدخل، فى كل قراراته الاقتصادية والاجتماعية؟ فالرقابة البرلمانية ليست شعارًا، بل أمانة وطنية لحماية حقوق المواطنين، وتحقيق العدالة الاجتماعية، كما ورد فى الحديث الشريف: «كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته».
من خلال هذه المراجعة الشاملة، يمكن ضبط المسار بعد رمضان، وتحقيق توازن بين الحقوق والواجبات، وتهيئة مجتمع متماسك على قيم الإيمان والعمل الصالح.









