حذّر السفير الدكتور مصطفى الشربيني، رئيس معهد الاستدامة والبصمة الكربونية (ISCF) والخبير الدولي في تقييم مخاطر المناخ، من تداعيات تسرب نفطي محتمل في الخليج العربي، مؤكدًا أنه قد يمثل كارثة بيئية وإنسانية تمتد آثارها لسنوات طويلة، وتهدد الأمن المائي والغذائي لملايين السكان في المنطقة.
وأوضح الشربيني أن خطورة هذا السيناريو ترجع إلى الطبيعة شبه المغلقة للخليج العربي، وبطء تجدد مياهه، وارتفاع مستويات الملوحة، ما يؤدي إلى احتجاز الملوثات لفترات طويلة، ويضاعف من آثارها البيئية والصحية.
وأشار إلى أن أي تسرب نفطي واسع النطاق قد يؤدي إلى تكوّن بقع زيتية تعيق تبادل الأكسجين في المياه، ما يتسبب في انخفاض نسب الأكسجين المذاب واختناق الكائنات البحرية، فضلًا عن تسرب المركبات السامة إلى الأعماق وتأثيرها على الشعاب المرجانية والكائنات القاعية.
تهديد مباشر للسلسلة الغذائية
وأكد أن التأثير لا يقتصر على التلوث المباشر، بل يمتد إلى السلسلة الغذائية بالكامل، حيث تنتقل المواد السامة من العوالق البحرية إلى الأسماك، ثم إلى الإنسان، عبر ما يُعرف بالتراكم الحيوي، ما يشكل تهديدًا للأمن الغذائي، خاصة في الدول التي تعتمد على الثروة السمكية كمصدر رئيسي للغذاء.
كما أشار إلى أن النظم البيئية الحساسة، مثل الشعاب المرجانية وأشجار المانغروف، قد تتعرض لأضرار جسيمة تستغرق سنوات أو عقودًا للتعافي، ما يؤدي إلى تراجع التنوع البيولوجي بشكل حاد.
محطات التحلية في دائرة الخطر
ولفت الشربيني إلى أن الخطر الأكبر يتمثل في التأثير على محطات تحلية المياه، التي توفر ما بين 70% و90% من مياه الشرب في دول الخليج، موضحًا أن هذه المحطات غير مصممة للتعامل مع تركيزات مرتفعة من الملوثات النفطية.
وأوضح أن النفط قد يتسبب في انسداد مآخذ المياه وتلف أغشية التناضح العكسي، ما يؤدي إلى انخفاض كفاءة المحطات أو توقفها مؤقتًا، إلى جانب زيادة تكاليف التشغيل، محذرًا من احتمالية تسرب مركبات سامة إلى المياه المعالجة في حال ضعف كفاءة نظم المعالجة.
ملوثات خطرة وتأثيرات ممتدة
وأشار إلى أن التسرب النفطي لا يقتصر على النفط الخام، بل يشمل مزيجًا معقدًا من المواد الكيميائية الخطرة، مثل الهيدروكربونات البترولية، والمركبات العطرية متعددة الحلقات، ومركبات البنزين والتولوين، بالإضافة إلى المعادن الثقيلة، وهي مواد يصعب تحللها وتبقى في البيئة لفترات طويلة.
وأكد أن هذه المواد تمثل تهديدًا مباشرًا لصحة الإنسان، وقد تؤدي على المدى الطويل إلى الإصابة بالسرطان، واضطرابات الجهاز العصبي، وأمراض الكبد والكلى والجهاز التنفسي.
بيئة هشة وتلوث مركب
وأوضح الشربيني أن الخليج العربي يُعد من أكثر البيئات عرضة للتلوث، بسبب ارتفاع ملوحة مياهه مقارنة بالمعدلات العالمية، إلى جانب تصريف المياه المالحة الناتجة عن محطات التحلية، والتي تحتوي على مواد كيميائية، ما يؤدي إلى ما وصفه بـ”التلوث المركب” في حال وقوع تسرب نفطي.
وأضاف أن التفاعل بين النفط وهذه المواد قد ينتج مركبات أكثر سمّية، كما أن ظاهرة التلوث الرأسي تؤدي إلى انتشار الملوثات من سطح المياه إلى الأعماق، بما يؤثر على النظام البيئي البحري بالكامل.
تحذيرات من تداعيات طويلة الأمد
وفي تحذير لافت، أكد الشربيني أن مثل هذه الكوارث لا تقتصر آثارها على المدى القصير، بل تمتد لأجيال، مشيرًا إلى أن هذا السيناريو قد يُعد أحد أشكال “الحروب البيئية” التي تهدد مصادر المياه والغذاء بشكل تدريجي.
وشدد على ضرورة اتخاذ إجراءات وقائية عاجلة وتعزيز التعاون الدولي لمواجهة مثل هذه المخاطر، والحفاظ على النظم البيئية البحرية، باعتبارها ركيزة أساسية لاستدامة الحياة في المنطقة.








