تمر منطقة الخليج العربى والشرق الأوسط بلحظة فارقة فى تاريخها، حيث تتصاعد نذر المواجهة وتتسع رقعة الصراعات لتضع الجميع أمام اختبار حقيقى للإرادة والحكمة. وفى خضم هذا المشهد المرتبك، تبرز الدولة المصرية، بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، كحائط صد منيع وصوت عقلانى رصين، لا يكتفى بالتحذير من مغبة الانزلاق نحو «الفوضى الشاملة»، بل يتحرك بفاعلية على الأرض لصياغة واقع إقليمى يسوده السلام وتنحسر عنه لغة السلاح.
لقد حملت كلمة الرئيس السيسى خلال احتفالية ليلة القدر دلالات تتجاوز النطاق الروحى للمناسبة، لتصيغ «مانيفستو» سياسياً مصرياً واضح المعالم. فحين وصف الرئيس تلك الليلة بأنها «رسالة سلام من أرض السلام»، فإنه كان يضع العالم أجمع أمام مسئولياته. إن دعوته الصريحة لوقف التصعيد وحقن الدماء، وإدانة العدوان على الدول العربية الشقيقة، لم تكن مجرد موقف دبلوماسي، بل هى تعبير عن رؤية استراتيجية ترى فى «وحدة المصير الإنساني» والتعايش السلمى السبيل الوحيد لمواجهة التحديات.
لقد كان لافتاً فى خطاب الرئيس الربط الواعى بين الاستقرار الإقليمى والرخاء الداخلي؛ فالمنطقة التى تقف على مفترق طرق تاريخى تحتاج إلى «صبر جميل وعزم لا يلين». والرسالة هنا مزدوجة: ثبات مصرى فى دعم الأشقاء، وإدراك عميق بأن أمن الخليج هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصري، وأن أى مساس بسيادة الأشقاء هو مساس مباشر بقلب العروبة.
لم تقف مصر عند حدود التصريحات، بل ترجمت رؤيتها عبر تحرك دبلوماسى مكثف قاده وزير الخارجية د. بدر عبد العاطى فى جولة شملت عدة دول عربية. هذه الجولة لم تكن بروتوكولية، بل كانت «مهمة إنقاذ» تهدف إلى بلورة مفهوم عملى للأمن الجماعى العربي.
من «العين» إلى «الرياض» مروراً بـ «الدوحة» و»مسقط» و»عمان»، كان الموقف المصرى واحداً وحازماً: إدانة صريحة للاعتداءات الإيرانية الآثمة، ورفض قاطع لاستهداف المنشآت الحيوية والبعثات الدبلوماسية، وتحذير شديد اللهجة من المراهنة على الخيارات العسكرية التى لن تفضى إلا لتعميق الأزمات. إن نجاح الدبلوماسية المصرية فى التنسيق مع الأشقاء لخفض التصعيد يعكس ثقل القاهرة كلاعب لا يمكن تجاوزه فى معادلة التهدئة.
إن المقاربة المصرية التى طرحها وزير الخارجية خلال جولته، والداعية لاستحداث آليات رادعة وفى مقدمتها تفعيل «القوة العربية المشتركة» تمثل رؤية استباقية لمواجهة التحديات غير المسبوقة. مصر اليوم لا تكتفى بمساندة القضايا العادلة، بل تدعو إلى «هندسة» جديدة للأمن الإقليمى تقوم على احترام سيادة الدول، وتغليب المسارات الدبلوماسية، ورفض التدخلات الخارجية التى تستهدف زعزعة استقرار المنطقة.
تظل الدولة المصرية هى «المورد العذب» للحكمة والاتزان. إن إصرار القيادة السياسية على تقديم الشرح والمصارحة للشعب المصرى حول تداعيات هذه الحروب إقليمياً ودولياً، يعكس إدراكاً بأن تماسك «الجبهة الداخلية» هو الوقود الحقيقى للدور الريادى الخارجي.
ستظل مصر، كما عهدها العالم، صوتاً للحق وركيزة للاستقرار، ولن تدخر جهداً فى إخماد نيران الحروب، دفاعاً عن حق شعوب المنطقة فى حياة كريمة آمنة، بعيداً عن صراعات لا تجلب إلا الدمار. إنها رسالة مصر للعالم: السلام هو «مبتغى العقلاء»، وهو الخيار الذى ستظل القاهرة تدافع عنه بكل ثقلها التاريخى والسياسي.









