منذ قديم الأزل، اتجهت الدول والإمبراطوريات إلى التعرف على ما يجرى حولها من أمور تمس أمنها وسلامتها. فكانت الدولة العثمانية من أوائل من اعتمدوا على جهاز معلومات منفصل مرتبط بالإنكشارية والولاة، ثم تبعهم السير فرانسيس والسينغهام فى إنجلترا عندما أسس شبكة تجسس لحماية الملكة إليزابيث الأولي. أما فى التاريخ الحديث، فقد كانت فرنسا وإنجلترا من أوائل الدول التى أنشأت أجهزة استخبارات منظمة وفاعلة.
وفى الولايات المتحدة، تأسست وكالة الاستخبارات المركزية عام 1947 بعد الحرب العالمية الثانية، لتختص بجمع وتحليل المعلومات خارج البلاد وتنفيذ العمليات السرية بقرار سياسي. أما إسرائيل فقد أنشأت جهاز الموساد للاستخبارات الخارجية عام 1949، إلى جانب الشاباك للأمن الداخلي، وشعبة الاستخبارات العسكرية «أمان». وفى مصر، يعد جهاز المخابرات العامة المصرية الجهاز الرئيسى للاستخبارات الخارجية منذ إنشائه بصورته الحديثة عقب ثورة 1952، إلى جانب المخابرات الحربية.
أصبحت أجهزة الاستخبارات اليوم إحدى أهم أدوات القوة الشاملة للدول، فالمعلومة الدقيقة فى التوقيت المناسب قد تساوى أحيانا نتائج معركة كاملة. ويقال إن المعلومة قد تكون أجدى من أى طائرة أو دبابة وتعتمد الأجهزة الحديثة للاستخبارات فى جمع المعلومات على مزيج من التكنولوجيا المتطورة – من أقمار صناعية ورصد إلكترونى وطائرات مسيرة – إضافة إلى العنصر البشري، الذى يظل رغم كل التطور التقنى أخطر مصادر تسريب المعلومات .. هؤلاء هم الجواسيس الذين قد يعملون لصالح بلدهم ويقدمون لها دعما استخباريا مؤثرا .. او ممن يبيعون أوطانهم فى سوق الخيانة.
ومن أشهر قصص الجاسوسية العالمية ما قام به ريتشارد سورج، الجاسوس السوفيتى الذى نقل معلومات حاسمة قبيل غزو ألمانيا للاتحاد السوفيتى مما كان له أثر كبير على مقدرتها للصمود. وعلى المستوى المحلي، لا يمكن إغفال قصة البطل رفعت الجمال، وكذلك قضية الخائنة الخسيسة هبة سليم التى أمدت العدو بأماكن قواعد الصواريخ على شط القناة وتم إعدامها.
تجنيد الجواسيس عملية متدرجة لها قواعد وأسس دقيقة، تقوم على فهم عميق لاحتياجات البشر ونزعاتهم وطموحاتهم. وغالبًا ما تتداخل دوافع المال، والأيديولوجيا، والرغبة فى الشعور بالأهمية، أو الابتزاز، وأحيانًا العاطفة، فى تشكيل قرار انخراط الجاسوس فى هذا المسار الخطير.
تعاون المواطن مع الأجهزة الاستخبارية والأمنية فى البلد من أجل التعرف المبكر على من يدفعه الشيطان لخيانة بلده أمر فى غاية الأهمية ولابد من تفعيله والحرص على دعمه.. ولابد لنا كشعب الدراية التامة بكيفية التعرف على مخاطر التجسس داخل المجتمع، فالأمر لا يعنى نشر الشك بين الناس أو اتهام الأبرياء، بل يقوم على رفع الوعى العام. من أبرز المؤشرات التى تستدعى الانتباه تجاه تصرف اى شخص هو التغير المفاجئ فى نمط حياته دون مبرر واضح، والاهتمام غير الطبيعى بجمع معلومات حساسة لا تدخل فى نطاق العمل، كذلك العلاقات المشبوهة مع جهات أجنبية دون ضرورة مهنية، أو محاولات استدراج العاملين فى مواقع حساسة إلى علاقات أو تعاملات غير معتادة. ويبقى الوعى المجتمعي، والانضباط المؤسسي، هو خط الدفاع الأول فى مواجهة أى اختراق محتمل.









