أعضاء لجنة مراجعة المصحف مثل الجواهرجية يملكون قدرات تمييز الحقيقى من المضروب

أحد أبرز علماء التجويد والقراءات بالأزهر الشريف فى مصر.. معروف بلقب «ترمومتر القرآن الكريم» لا يعرف التهاون خاصة إذا تعلق الأمر بكتاب الله تعالي، حتى أنهم أطلقوا عليه «الحارس الأمين»، وظل يرتقى حتى أصبح مَرْجِعًا موثوقًا فى علوم القرآن، ويركز فى عمله على صحة الأحكام التجويدية والأداء.. الشيخ حسن عبدالنبى الذى أكد فى حواره لـ«الجمهورية» أن لجنة مراجعة المصحف الشريف حائط الصد الأخير لضمان سلامة النص القرآنى، وأنه حين يقوم بالتوقيع على «شهادة صلاحية» المصحف للطبع والتداول، فإنه يُقرُّ بصحة ما سيقرأه ويحفظه ملايين من الناس؛ مما يجعله شريكًا فى تبعات أى خطأ قد يشيع بسبب تقصيره أو غفلته، مبينًا أن المراجعة القرآنية عملية تحقيق معيارى تهدف إلى مطابقة النسخة المطبوعة مع «الأصول المتواترة»، مشيرًا إلى أن علاقته بمراجعة المصحف ليست مجرد مهمة علمية، بل خلوةٌ روحانية تتجاوز حدود التعبد وتصل رتبة المصاحبة الدقيقة فى رحاب التشكيل والوقف.
> لجنة مراجعة المصحف هل يقتصر دورها على نصوص المصاحف الورقية؟
>> نقوم بأعمال الفحص والتدقيق والمراجعة للمصاحف الشريفة على اختلاف مقاساتها ورواياتها بالضبطين (المشرقى والمغربي)، وتفاسير وكتب علوم القرآن الكريم، والتلاوات القرآنية المسجلة على أشرطة الكاسيت قديمًا أو الأجهزة الإلكترونية، أو «CD» واللوحات والبراويز القرآنية.
> ماذا يعنى أن تكون رئيسًا للجنة مراجعة المصحف؟
>> لجنة مراجعة المصحف الشريف حائط الصد الأخير لضمان سلامة النص القرآني؛ والقائمون عليها مؤتمنون على تطابق المصاحف المتداولة، بما يوافق أمهات الكتب الأصيلة، والعمل فى مراجعة المصحف الشريف ليس مجرد وظيفة أكاديمية أو حرفة فنية، بل مقامٌ من مقامات الحفظ الإلهى الذى استودعه الله فى كتابه؛ فالمُراجع أداة بشرية استعملها الله لصيانة كتابه، وهنا تنبع مسئولية تنوء عن حملها الجبال، وحين يوقع المُراجع على «شهادة صلاحية» المصحف، فإنه يُقرُّ بصحة ما سيقرأه ويحفظه الملايين؛ مما يجعله شريكاً فى تبعات أى خطأ بسبب تقصيره أو غفلته، فالمراجعة القرآنية تهدف إلى مطابقة النسخة المطبوعة مع «الأصول المتواترة»، أى إنها علم لا يقبل الاجتهاد البشري، ومسئولية تقوم على إتقان فنيات الرسم، والإحاطة بقواعد «المحذوف والموصول والمقطوع»، والتمييز الدقيق بين قواعد الإملاء الحديثة وقواعد الرسم المصحفى الأصيلة
> ما المؤهلات العلمية لعضو لجنة مراجعة المصحف؟
>> أن يكون حافظاً لكتاب الله تعالى عن ظَهْرِ قلب، وحافظاً القراءات العشر الصغرى والكبري، ومُلماً بقواعد رسم المصحف، وحافظاً لمنظومة «عقيلة أتراب القصائد» للإمام الشاطبي، أو منظومة مورد الظمآن فى رسم أحرف القرآن، ومتمكناً من علم الضبط ومُطلعاً على مذاهبه المختلفة، إضافة إلى الإلمام بعلم عدّ الآيات، والتمكن من قواعد الوقف والابتداء، والإحاطة بالمذاهب المعتبرة والمرجعيات المعتمدة لمصاحف العالم الإسلامي.
> حدثنا عن آلية اختيار أعضاء اللجنة؟
>> أعضاء اللجنة اختياراتهم تخضع لمعايير صعبة لأنهم بمثابة جواهرجية بمجرد نظرة واحدة يعرفون الذهب الحقيقى من الفالصو، ويملكون أدوات التقييم الدقيق والمنهجية الصارمة؛ حيث تبدأ باختبارات تحريرية دقيقة تجرى على مراحل متعددة، تعقبها اختبارات شفهية ومقابلات شخصية دقيقة، وتهدف هذه الإجراءات إلى انتقاء أكفأ الكوادر المتخصصة، ضماناً لصون سلامة النص القرآني، وتحقيق أقصى درجات الدقة فى مطابقته لقواعد الرسم والضبط المتواترة.
> هل تعتمد اللجنة على مصحف بعينه كمرجع أساسي؟
>> المرجع الأول والأهم هو «الرسم العثماني» وهو الطريقة التى كُتبت بها المصاحف فى عهد الخليفة عثمان ابن عفان رضى الله عنه، كما يعتبر مصحف القاهرة الصادر عام 1924 بإشراف مشيخة الأزهر مرجعاً محورياً لمعظم لجان المراجعة فى العالم الإسلامي؛ حيث نجح فى تحويل القواعد النظرية إلى واقع تطبيقى دقيق، فاللجنة لا تعتمد على مصحف بعينه بل تطبق القواعد المنصوص عليها.
> هل واجهت اللجنة أخطاء شائعة فى بعض المصاحف المتداولة؟
>> أبرز الأخطاء الشائعة التى يتم رصدها، تصحيف الحركات بوضع فتحة مكان الضمة، وهو ما قد يؤدى إلى تغيير المعنى جملةً وتفصيلاً، واضطراب علامات التجويد، ووضع علامات الوقف فى مواضع يختلّ بها سياق الآية أو يفسد معناها، ومخالفة الرسم العثماني، بسبب الاعتماد على «صف الحروف» يدوياً أو استخدام برامج حاسب غير مخصصة لرسم المصحف، والعيوب التقنية والمطبعية كنقص الحبر مثلاً مما يؤدى لظهور بقع بيضاء قد تمحو جزءاً من حرف فتتغير الكلمة تماماً، وأخطاء الملازم والتجليد وتتمثل فى تكرار بعض الصفحات، أو نقصها، أو اختلال ترتيب السور بخلاف الترتيب التوقيفى المعتمد، وإذا وجد خطأ من هذه الأخطاء لا يُسمح بتداول أى نسخة من المصحف الشريف، صوناً لكتاب الله من العبث أو الخطأ.
> كيف يتم التعامل مع أى خطأ لو كان بسيطًا فى آية قرآنية؟
>> العناية بالقرآن الكريم تقتضى ضبطاً تاماً لا يحتمل التهاون؛ لذا لا يوجد فى كتاب الله ما يُسمى خطأ بسيط يمكن التغاضى عنه، وأيِّ انحراف عن الرسم العثمانى أو قواعد الضبط يُعتبر خطأً جسيماً يوجب التصحيح الفورى ومع ذلك، لا تزال تظهر بعض النسخ من دور نشر ومطابع تفتقد إلى أدنى معايير الدقة والإتقان المطلوبة فى إخراج المصحف الشريف بما يليق بجلاله، ولذا تستوجب حزماً فورياً؛ ومجرد رصد خطأ فى نسخة مطبوعة، تُسارع الجهات المختصة لاتخاذ تدابير صارمة، وإصدار قرار فورى بسحب الطبعة كاملة من الأسواق، وإخضاع «دار النشر» أو «المطبعة» للمساءلة للتحقق من استيفائها للتراخيص اللازمة كما تُشكل لجنة فنية متخصصة لتحديد طبيعة الخلل؛ وتطبيق عقوبات رادعة على المطابع ودور النشر.
> هل كل مصحف مطبوع فى الأسواق يمر على لجنة مراجعة المصحف؟
>> الواقع يكشف ثغرات تستغلها بعض المطابع، والمصاحف غير الخاضعة للرقابة تملأ الأسواق بنسخ صادرة عن مطابع «بير السلم» بأسماء وهمية دون بيانات واضحة، ويوجد بها أخطاء جسيمة فى الرسم العثماني، والضبط، وترتيب الصفحات، كما تعتمد بعض المطابع أسلوب «التصوير» لنسخ قديمة كانت مُجازة سابقاً، دون تجديد التصريح، مما يُعد إخلالاً جسيماً بأمانة النشر وقدسية النص، وليس كل ما يُعرض فى الأسواق أو يُوزع مجاناً هو «مصحف مُراجع».
> كيف تواكب اللجنة التطور التكنولوجى فى الطباعة الرقمية والتطبيقات الإلكترونية؟
>> نسعى إلى توظيف التقنيات الحديثة لخدمة النص القرآني، والحفاظ الصارم على ضوابط الرسم والضبط، ولم يكن هذا التحول التقنى بعيدا عن الرقابة الدقيقة؛ حيث استوجب وضع معايير جديدة تضمن سلامة المصحف الرقمى من أى خطأٍ برمجى أو تقني، ومراجعة النسخ البرمجية لضمان مطابقتها المذاهب المعتبرة بهدف صيانةً النص القرآنى من التحريف فى الفضاء الرقمي، وتحقيقاً لأعلى مستويات الثقة والضبط العلمي
> هل مراجعة المصحف الإلكترونى تختلف عن المصحف الورقى؟
>> تختلف المراجعة بين المصحف الورقى والإلكترونى لاختلاف طبيعة كل منهما، حيث تبدأ مراجعة المصحف الورقى للرسم العثمانى والضبط المعتمد والتأكد من عدم وجود «بياض» أو «طمس» فى الحروف أو علامات التشكيل، بينما فى المصحف الإلكترونى يراجع «السجل الرقمى لكل آية، للتأكد أن البرمجة لا تسقط حرفاً أو حركة عند استدعاء النص من ذاكرة التطبيق، فالمراجعة تتطلب التأكد أن الخط يدعم كل رموز الضبط القرآنى ولا تظهر كرموز مبهمة «مربعات» على بعض الأجهزة، وفى النهاية يظل المصحف الورقى المرجع الأصيل الذى يحفظ «هيبة الثبات»، بينما المصحف الإلكترونى وسيلة نشر سريعة تتطلب حراسة تقنية فائقة؛ فخطأ واحد فى كود برمجى قد يحرف معنى آية فى آلاف الهواتف بلحظة واحدة.
> ما موقف اللجنة من تطبيقات القرآن الكريم على الهواتف؟
>> نظراً لخصوصية النص القرآنى التى تجعل الخطأ فى رسمه أو ضبطه الرقمى أمراً لا يُقاس بغيره؛ تلتزم اللجنة بإخضاع كافة تطبيقات الهواتف الذكية لمعايير تدقيقٍ صارمة «حرفاً بحرف» صيانةً للذكر الحكيم من التحريف أو التصحيف، وبناءً عليه لا تُجيز اللجنة تداول أى تطبيقٍ إلا بعد المراجعة الدقيقة لرسم المصحف وضبطه ومنحه شهادة اعتماد رسمية تُعرض فى واجهته؛ حتى يطمئن المستخدم.
> هل هناك رقابة على المصاحف المترجمة أو المصاحف المفسَّرة؟
>> تخضع المصاحف المترجمة والمفسرة لرقابة مشددة، تفوق فى صرامتها أحياناً رقابة المصاحف المجردة؛ نظراً لخطورة التأويل أو وقوع الخطأ فى نقل المعاني، وبناءً عليه، تُطبق اللجنة معايير دقيقة على المصاحف المفسرة لضمان اعتمادها على أصحّ أقوال المفسرين، مع التشديد على ضرورة فصل النص القرآنى عن التفسير فصلاً واضحًا يمنع اللبس؛ إذ لا يُسمح بتداول هذه الإصدارات إلا بعد إجازتها من لجانٍ مشتركة تضم نخبة من علماء القراءات، والمتخصصين فى علوم التفسير، وخبراء اللغات الأجنبية، وقد شملت هذه الجهود الرقابية ترجمات معانى القرآن الكريم إلى لغات عدة، منها: الإنجليزية، والفرنسية، والسواحلية، وحتى العبرية؛ ضماناً لوصول المعنى الصحيح لشتى الشعوب.
> هل سبق أن اكتشفت اللجنة أخطاء خطيرة؟ وكيف تم التعامل معها؟
>> وقفت اللجنةُ عبر تاريخها سدًا منيعًا أمام تجاوزاتٍ شابت بعض الإصدارات؛ و رصدت أخطاء مطبعية فى رسم الكلمات، وهفواتٍ برمجية فى التطبيقات أسهمت فى سقوط آيات أو تبديل حركات، ونسخ مشبوهة تم تداولها عبر منصاتٍ غير موثوقة بغرض التحريف المتعمد، وتم التعامل مع هذه الأخطاء بصرامة بالغة؛ بالتنسيق مع الجهات المختصة ومصادرة كافة النسخ المغلوطة من الأسواق، ومخاطبة منصات التطبيقات العالمية لحجب البرامج المخالفة فوراً وإلغاء تراخيصها.
> ما أخطر ما يهدد قدسية المصحف اليوم؟
>> فوضى النشر الرقمى فى ظل زيادة التطبيقات والمواقع الإلكترونية مجهولة المصدر مما تسبب فى تسرب أخطاءٍ تقنية ناتجة عن خلل برمجة وتداخل خطوط رقمية، ولا يقتصر الأمر على الهفوات التقنية، بل يمتد إلى خطر التحريف الممنهج المدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي؛ حيث برزت تحديات «التزييف العميق» والمعالجة الآلية للنصوص التى تُستغل فى طبع نسخٍ محرفة بدقةٍ عالية تخدع غير المتخصصين وهذا واقع يفرض ضرورة اليقظة العلمية لمجابهة هذا التدليس الرقمى وحماية القارئ من التضليل.
> رسالة تطمئن بها المسلمين على سلامة المصحف الشريف؟
>> القرآن الكريم محفوظٌ بحفظ الله، لم تمسسه يدُ تحريف، ولم تنل منه عوادى الزمن؛ فقد تكفّل الله سبحانه بصيانته ومنذ أن نزل على قلب النبي، تلقته الصدور قبل السطور، وتناقله آلاف من الصحابة، ثم ملايين عبر القرون بسندٍ متصلٍ.
> نصيحة توجهها للناشرين والقراء فى التعامل مع كتاب الله؟
>> مسئولية الناشر: طباعة المصحف الشريف ليست مجرد عملية تجارية؛ فالخطأ فى حرف أو حركة فى كتاب الله يمسّ جوهر العقيدة وصحة التلاوة، وعلى مطورى تطبيقات القرآن الكريم تنزيهُ هذه النسخ الرقمية عن صخب الإعلانات وما لا يليق بقدسية الآيات.









