تحليل : عاطف سيد الأهل
ــ اتفقت مراكز الأبحاث السياسية والأمنية فى إسرائيل قبل الإعداد لهجوم عسكرى أمريكى إسرائيلى ضد إيران على أهمية اتخاذ اجراءات لترتيب حملة منسقة تقوم على عدة خطوات مع الأخذ فى الاعتبار وجوب أن تكون الولايات المتحدة هى اللأعب الأساسى فى الحرب ومراعاة عدم الاضرار بوضعية ترامب ومناصريه أو تأثير الحرب عليهم فى انتخابات التجديد النصفى فى الكونجرس الأمريكى 2026.
ــ تمثلت هذه الترتيبات في:أهمية بدء الحرب بشكل مفاجيء مع التنسيق شديد العمق مع الولايات المتحدة، وزعزعة أسس النظام الإيرانى عن طريق الاستنزاف الاقتصادى والعسكرى واغتيال القيادات والخبراء وتدمير البنية التحتية، والاعتماد على تراكم الخبرات التكنولوجية والقدرات العملياتية والاستخباراتية الإسرائيلية فى الحرب، والتركيز على الاساءة إلى إيران من خلال ابراز دورها فى العمليات الإرهابية وانتهاكات حقوق الانسان وتشغيل اذرعها وميليشياتها فى زعزعة استقرار المنطقة. واستخدام أدوات إعلامية للترويج بأن الحرب الجارية هى مصلحة مشتركة لإسرائيل وللقيم الغربية وأن إسرائيل ــ حسب تعبير المستشار الألمانى تقوم بالأعمال القذرة نيابة عن المجتمع الغربي، وان إيران هى الخطر الأكبر فى المنطقة.
كان الملف الإيرانى هو الشاغل الأكبر لكبار القادة العسكريين ولبنيامين نتنياهو منذ عام 2009، حيث كلف نتنياهو المؤسسة العسكرية والأمنية والتى كانت تضم اّنذاك إيهود باراك وزيرا للدفاع وجابى اشكنازى رئيسا للأركان ومئير داجان مديرًا للموساد الإعداد للحرب على إيران الا أن هذه المجموعة ــ دون استثناء ــ عارضت اتخاذ قرار الحرب، تكرر هذا الأمر بعد عدة سنوات فترة تولى بينى جانتس رئاسة الأركان وتامير باردو إدارة الموساد الا أن الرفض تكرر مرة أخرى بدعوى أن إسرائيل غير مستعدة لخوض حرب مع إيران بمفردها فى ضوء أنتشار وكلائها فى المنطقة .
وفى مؤتمر هرتسيليا السابع عشرالذى عقد فى يونيو 2017 تحت عنوان «ميزان الفرص والمخاطر على دولة إسرائيل» كانت إيران هى مركز حوارات المؤتمر، والتى تم وصفها بأنها التهديد المركزى لإسرائيل على أساس انها مّركب من إيديولوجية متطرفة ترفض وجود إسرائيل ، وأن إسرائيل عاجزة وحدها عن مواجهتها.
مع استمرارية إصابة نتنياهو بعقدة ضرورة مهاجمة إيران جاءت بنود الاتفاقيات الائتلافية التى تم الاتفاق عليها بين حزب الليكود وحزبى الصهيونية الدينية لسموتريتش وقوة يهودية لـ بن جفير والتى بناء عليها تشكلت حكومة نتنياهو الحالية متضمنة منع إيران بكل الوسائل من امتلاك أسلحة نووية، كما كان بند إيران بين أحد أهم أهداف حكومة نتنياهو الحالية.
وكان أحد ابرز تصريحات رئيس الأركان الاسرائيلى إيال زامير بعد توليه منصبه: أن عام 2025 هو عام الحرب على إيران.
ساهمت تطورات الأوضاع وانهيار وضعية وكلاء إيران فى المنطقة وخروج خبرائها وقواتها من سوريا بعد سقوط النظام السوري، وتوالى اغتيالات قادتها العسكريين والمدنيين وخبرائها النوويين أن أصبحت إيران فى أضعف حالاتها، ومع تولى ترامب الحكم كانت الفرصة مواتية لإسرائيل لاتخاذ خطوات من شأنها تبديل موازين الصراع فى المنطقة بما يعنى بداية مرحلة لأدوار فيها للميليشيات الثانوية.
أبعاد الحرب الحالية البعد السياسى العسكري
جاءت الحرب بمثابة تحول نوعى فى مسألة إدارة الصراع فى منطقة الشرق الأوسط إنطلاقا من مفهوم ترامب «تحقيق السلام من خلال استخدام القوة» وعبّرت عن نموذج تفاوضى جديد يقوم على فرض الإملاءات بالقوة والخديعة، وإعادة رسم خريطة التحالفات بناء على المصالح الاقتصادية.
أصبحت الحرب مسرحًا لتصفية الحسابات الاقليمية والدولية، وأستنفرت كل من روسيا والصين لإعادة النظر فى حساباتهما ومصالحهما فى المنطقة.
مثلت الحرب تحولا فى العلاقات الإسرائيلية الأمريكية فقد جاءت وللمرة الأولى حرب مشتركة تخطيطًا وتنفيذًا وليست مجرد منح مساندة أو مظلة سياسية أودعم تقليدى أمريكى للسلوك الاسرائيلي.
أعادت الحرب إثارة قضية الأقليات ودورهم فى الدول ذات السيادة، وكيفية توظيف هذا الدور، وهى سياسة إسرائيلية معروفة ونمط مكررلاستغلال النزاعات الهشة والكيانات غير المعترف بها لاختراقها واستخدامها لتقليص سيادة الدولة المركزية أو خلق نوع من الفوضى فيها، وتقوم بالتواصل مع هذه الأقليات والطوائف بشكل متواصل لمد جسور التعاون معها، واّخرها مؤتمر الأقليات الذى عقد فى تل أبيب فى 27 اكتوبر 2025.
ومن هنا جاءت فكرة استخدام أكراد إيران البالغ عددهم 10 ملايين نسمة وبمساندة أكراد العراق لخلق بلبلة أو اختراق داخل الأراضى الإيرانية فى ضوء علاقات إسرائيل المتميزة والتاريخية مع الأكراد، وباعتبارها الدولة الوحيدة فى العالم التى تطالب بدعم استقلالية الأكراد.
-كما أظهرت الحرب ضعف دور المنظمات الأممية وتنفيذ المرجعيات والقوانين الدولية، فضلا عن إبراز مدى ظهور الدور الأوروبى فى المنطقة فى أضعف حالاته.
كما عكست الحرب بروز حقبة جديدة من الهيمنة الأمريكية فى التعامل مع أسس النظام الدولى القائم والمتعارف عليه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
-ولم تكن القضية الفلسطينية بمعزل عن تطورات الحرب الإيرانية ــ الأمريكية ــ الإسرائيلية، فالتهميش هو العامل الأساسى والمتوقع فى التعامل مع القضية الفلسطينية إزاء هذه التطورات.
ينظر اليمين الاسرائيلى إلى هذه الحرب باعتبارها فرصة مواتية وإستراتيجية لتحييد التهديد الوجودى الذى تمثله إيران لإسرائيل ، ورسم واقع جيوسياسى جديد فى المنطقة تمهيدًا لتحقيق مشروع دولة اسرائيل الكبري.
على الجانب الآخر عملت إيران على أن تكون الحرب مكلفة على جميع الأطراف ونشر الفوضى فى الخليج، وذلك فى خطوة غير متوازنة من جانبها سوف يكون لها انعكاسات عميقة على علاقاتها الخليجية مستقبلا وعلى الدور الإسرائيلى المتنامى فى منطقة الخليج.
ان المدى الزمنى لامتداد هذه الحرب ونتائجها تعتمد بشكل كبير على قدرة الطرفين على تحمل تكلفتها وأعبائها.
> البعد العقائدى يؤمن التيار الصهيونى الدينى المتطرف فى إسرائيل بضرورة استخدام العنف المفرط والحروب الدموية للعمل على تسريع قدوم المسايا «المسيح» لتحقيق مهمة الخلاص، وإقامة الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى وتجميع اليهود من كافة دول العالم فى أرض إسرائيل وحكم الأرض لمدة ألف عام وذلك بعد معركة سيخوضها ضد الشر فى العالم
– يعتقد هذا التيار أيضا أن اليهود يعيشون الحقبة السابعة والأخيرة من نهاية العالم وذلك حسب العقيدة التدبيرية «والتدبيرية هى منهج لتفسير الكتاب المقدس ظهر فى القرن الـ19 فى إنجلترا يلعب دورًا رئيسيًا فى الفكر اللاهوتى للصهاينة يرى أن أرض فلسطين التاريخية هى ملك أبدى للشعب اليهودى وان نبوءات الكتاب المقدس التى اعلنت عن عودة اليهود إلى أرضهم قد تحققت فى القرن العشرين».
– يتزامن هذا التوجه داخل إسرائيل مع توجه مماثل فى الولايات المتحدة حيث يرى القادة الإنجيليون أن حرب إيران تمهد لظهور المسيح، وأنها وأن كانت هناك شكاوى من جنود باستخدام قادتهم خطابًا دينيًا لتبرير الحرب وفق مفهوم نهاية الزمن مستندًا الى رؤية توراتية. هذا البعد أيضا يحتل اهتمام ترامب نفسه الذى انشأ مكتبا للإيمان فى البيت الأبيض فى فبراير 2025 وعين على رأسه الواعظة ومستشارته الروحية باولا وايت المثيرة للجدل.
> البعد الاقتصادى اهتمت إسرائيل منذ عام 2022 بما نشر عن اكتشاف حقل ضخم او خزان به 8,5 مليون طن من الليثيوم فى مقاطعة همدان غرب إيران ، وسارعت الدراسات والتقديرات المنشورة فى إسرائيل لدراسة امكانية تأثير هذا الاكتشاف على وضعية إيران الاقتصادية ونفوذها الجيوسياسى فى المنطقة وما سيمثله هذا الاكتشاف من تغيير موازين القوى فى منطقة الخليج، وقد أظهرت هذه الدراسات أن لهذا الاكتشاف تأثير كبير على أسواق الطاقة والتعدين، إلى جانب صناعات البطاريات والسيارات الكهربائية العالمية، ومن المتوقع ــ حسب تقديرات إسرائيلية ــ أن يؤدى كل ذلك بدوره إلى تغييرات بعيدة المدى فى الاقتصاد والسياسة العالميين .
– تؤكد إدارة معلومات الطاقة الامريكية أن إيران من اكبر دول العالم فى احتياطيات الغاز والبترول ، فهى ثانى أكبر مالك لاحتياطى الغاز فى العالم وثالث اكبر مالك لاحتياطى البترول، كما ان لدى إيران 37 مليار طن من احتياطيها من المعادن المثبتة ، بجانب مليارات الأطنان الأخرى المحتملة، ومناجم نشطة نحو 6025 منجما.
– وقد أعلن المدير التنفيذى لمجلس هيئة الطاقة الأمريكى أن الولايات المتحدة عبرت عن نيتها السيطرة الكاملة على احتياطيات النفط الايراني.
– على المستوى الإقليمى تمثل إيران حلقة هامة من حلقات الاقتصاد الصينى ،حيث يبلغ حجم التبادل التجارى بينهما ما يقارب 25 مليار دولار ،وهناك اتفاق تعاون إستراتيجى بين البلدين بـ400 مليار دولار تم توقيعه 2021 ولمدة 25 عاما . فالصين تأتى على رأس قائمة الدول المستقبلة للصادرات الإيرانية ، خاصة البترول الذى تحصل عليه بتخفيض يصل الى 30٪ ، وأن اسقاط إيران من شأنه اضعاف طرق وممرات التجارة الصينية، وتقليص موارد الصين من الطاقة مما يرفع من التكلفة الانتاجية فيها ويفقدها القدرة التنافسية.
> وفى التقدير إن مراحل وأهداف الحرب والتقديرات التى وضعتها الولايات المتحدة وإسرائيل من استهداف اسقاط النظام الحاكم الإيراني، والدفع بتصعيد الاحتجاجات الداخلية، وقدرة المعارضة على تولى قيادة البلاد، وتشجيع الأقليات المضطهدة فى إيران للانقلاب على نظام الحكم ، والتقديرات المتعلقة بمشاركة حزب الله فى وحدة الساحات مع إيران لم تكن دقيقة بشكل كاف، ولم تضع فى الحسبان مدى استعداد إيران لحرب وجودية ، أو انعكاسات هذه الحرب على دول الخليج المجاورة.
– إن هناك بعض المعايير التى قد تحدد مدة الحرب على إيران والتى ترتبط بشكل مباشر بالخسائر الأمريكية فى الحرب سواء ارتفاع عدد القتلى فى الجيش الامريكى ، وتصاعد المعارضة للحرب فى الداخل الامريكى أو تأثر استقرار سوق الطاقة العالمى أو قوع كوارث نفطية نتيجة الحرب تقود إلى أرتفاع اسعار البترول، واستمرار الحرب سيتوقف على قدرة الأطراف على تحمل الخسائر والأعباء والتكلفة السياسية.
– استطاع نتنياهو اقناع ترامب باتخاذ قرار الحرب ضد إيران ، إلا أن قدرته ستتضاءل فى التدخل فى قرار إنهاء الحرب.
ورغم ذلك مازال سيناريو التفكك العرقى لايران مطروحا مابين كردستان وبلوشستان وعربستان واذربيجان الجنوبية، وأن مرحلة مابعد الحرب ستشهد تغييرا جوهريا فى سياسات ومواقف دول الخليج.









