يعتبر حى الحسين من أشهر الأحياء الشعبية فى القاهرة والتى يظهر فيها رمضان بثوبه المميز حيث الحركة الدائبة والساهرون حتى الصباح.. وعلى الرغم من أن الزمان قد غير كثيرا من صور هذا الحى العريق، إلا أنه رغم ذلك يعتبر الأثر الباقى من القاهرة القديمة التى بناها المعز لدين الله الفاطمي، فى هذا الحى كانت تعقد ندوات الأدباء ورجال العلم والدين.
كذلك تنتشر فى هذا الحى وحول مسجد الإمام الحسين -رضى الله عنه- السرادقات الكبيرة لتقديم سهرات رمضان حيث يقدم الفنانون التواشيح الدينية والأغانى الفلكلورية من بعد الإفطار إلى السحور.. ونشاهد أفراد الطوائف الدينية الصوفية المختلفة وبعض الدراويش وبائعى البخور.. وفرق الإنشاد الدينى والآلات الشعبية والموسيقى العربية والسامر والفنون الشعبية وتقام الملاهى وترى المآذن وكأنها قطعة من نور.
ومثلما كانت الأغانى السعيدة لاستقبال شهر رمضان مثل وحوى يا وحوي.. رمضان جانا مرحب شهر الصوم وغيرها من الأغانى التى تمجد هذا الشهر، كانت الأغانى الحزينة لفراقه التى تسمى بـ «التواحيش» لا أوحش الله منك ياشهر رمضان.. لا أوحش الله منك ياشهر الزكاة… تبكى المساجد.. كذا المنارات لفقد نوره حتى الناس من فرط حزنهم على فراق هذا الشهر نجدهم فى الأيام الأخيرة من يواسون بعضهم البعض قائلين: «بعوده الأيام» ترحما على أيام رمضان الكريم.
الجمعة اليتيمة.. وتسمى الجمعة الأخيرة من هذا الشهر الفضيل بـ« الجمعة اليتيمة» ولقد كان الخليفة الفاطمى يصليها بجامع عمرو بن العاص بالفسطاط.. وكان يصرف من خزائن التوابل ماء الورد والعود والبخور، وقد احتفظت مصر باقامة الجمعة الأخيرة من شهر رمضان فى جامع عمرو بن العاص حيث نرى الناس تتسابق إليه وتقام من حوله الحفلات والملاهي.
فى نهاية شهر رمضان المبارك كان احتفال المماليك بعيد الفطر فخما وضخما ينزل فيه السلطان من القصر بأبهته وعظمته وقد تعمم بالعمامة أو التاج راكبا فرسه ولابسا ملابسه المرصعة بالدرر والجواهر تحيط به الأمراء والحراس فى أجمل زينة، ويسير أمامه المنشدون والزامرون واللاعبون، ويتجه الجميع إلى المسجد لصلاة العيد حيث يقوم الخليفة بنفسه ليخطب ويصلى بالناس وهم حوله يشاركون فى هذا الموكب، وكأنه أقيم من أجلهم ويوزع عليهم الهبات والملابس والحلوي، ويعود الجميع تغمرهم الفرحة والبشر.
وإذا كانت الأغنية المصرية رحبت بشهر رمضان من خلال العديد من الأغاني، فقد خالف الشاعر الكبير عبد الفتاح مصطفى الجميع وكتب واحدة من أجمل الأغانى فى وداع شهر رمضان راجياً منه أن يبقى ولا يرحل «الله لسه بدرى يا شهر الصيام» من ألحان عبد العظيم محمد وغناء شريفة فاضل ويقول فيها:
«تم البدر بدري.. والأيام بتجري والله لسه بدرى والله.. يا شهر الصيام.. حيانا هلالك.. ردينا التحية.. زهانا جمالك بالطلعة البهية.. دى فرحة سلامك.. والا وداع صيام.. والله لسه بدرى والله يا شهر الصيام.. يا ضيف وقته غالي.. وخطوة عزيزة.. حبك حب عالي.. فى الروح والغريزة.. أيامك قليلة.. والشوق مش قليل.. والغيبة طويلة.. ع الصبر الجميل.. لسه بدرى حبة.. يتملى الأحبة.. والله لسه بدرى والله يا شهر الصيام».
بتحلف يتيمك.. ما تلمح دموعه.. وتسره بقدومك.. وتنور شموعه.. وتسيب يوم وداعك ..فوق الأرض عيد.. يا هالل بفرحة.. ومفارق بفرحة.. والله لسه بدرى والله يا شهر الصيام. كما كانت كلمات أغنية «والله بعوده يارمضان، يا شهر العبادة والخير والسعادة، والرضا والغفران، يا مجمع قلوبنا على سنة حبيبنا»، لمحمد قنديل، والتى كتب كلماتها الشاعر عبد الوهاب محمد الذى كشف فى كلماتها مزايا شهر رمضان، وجزاء الصائمين.
وما زالت تقاليد هذا الشهر الكريم فى كل قرى ونجوع مصر باقية حتى الآن لم تتغير وتتبدل وكان الأيام الماضية تعود بعبقها القديم لتنشر شذاها وعبيرها الفواح على أهل مصر المحروسة.









