فى مدينة الخانكة بمحافظة القليوبية، تقف مندهشًا أمام أثر خالد ينطق بعظمة عصره.. هو مسجد الأشرف برسباي، الذى يتهادى كقصيدة معمارية خطّها السلطان الأشرف برسباى بمداد من أحجار منحوتة، فصارت لمئذنته سطوة الماضي، ولقبابه همسات تحكى تاريخًا حيًا مجسدًا كإرث لا تدركه الأزمنة.
حين تخطو إلى داخل المسجد، تحيط بك روحانية المكان، فتشعر وكأنك فى حضرة سلطان يسكن الزمن ولا يغادره.. تتشابك الزخارف مع ضوء الشمس المتسلل من النوافذ، فتنسج لوحة من الجلال، بينما تروى جدرانه الصامتة سيرة سلطان شيد هذا الصرح ليكون منارة للعلم والدين.
حين جلس السلطان الأشرف سيف الدين برسباى على عرش المماليك كان رجلًا ذا رؤية، جمع بين قوة السيف وحنكة الإدارة.. تولى حكم مصر عام 1422م فى ذروة قوة الدولة المملوكية، وتمكن من إحكام قبضته على البلاد، كما فرض سيطرته على طرق التجارة، حتى أصبحت مصر فى عهده مركزًا اقتصاديًا لا يُستهان به، حينئذ ـ فى العصر المملوكى كان لمدينة الخانكة مكانة خاصة، حيث أسسها السلطان الناصر محمد بن قلاوون كزاوية صوفية يتعبد فيها رجال الدين والزهاد، وسرعان ما أصبحت موطنًا للعلم والتصوف.. لذا اختار برسباى أن يترك بصمته فيها، ليكون مسجده ومدرسته منارةً جديدة تُضاف إلى تراث المدينة.
ويعد مسجد الأشرف برسباى نموذجًا متكاملًا للعمارة المملوكية، حيث يجمع بين وظيفة المسجد والمدرسة والضريح، وهى ميزة اشتهرت بها المبانى الدينية فى ذلك العصر، فإذا دخلت المسجد، ستجد نفسك فى قلب تصميمٍ هندسى يراعى التناسق والتناغم بين العناصر المختلفة، فتجد
الصحن المفتوح وهو فناء واسع يسمح بدخول الضوء الطبيعي، ويحيطه أربعة أروقة كانت تُستخدم للصلاة والدراسة.. كان هذا الصحن ملتقى العلماء والطلبة، حيث تُلقى الدروس، وتُناقش المسائل الفقهية، كما يتجلى الفن الإسلامى فى أبهى صوره فى الإيوان القبلي.. يتصدر الإيوان المحراب، بحجارته المزخرفة التى تبدو كأنها أنشودةٌ بصريةٌ تمتزج فيها الزخارف الهندسية والنباتية.
أما المنبر، فهو تحفة خشبية محفورة بدقة، تتخللها نقوش عربية تنطق بجمال الخط المملوكي، فى حين تقف المئذنة شامخة، كأنها سهم نورانى يشق طريقه نحو السماء.. تصميمها يعكس أسلوب المماليك فى بناء المآذن، حيث تتدرج فى أقسامٍ متناسقة، تزينها الزخارف المحفورة.
وفى ركنٍ من أركان المسجد، يقع ضريح السلطان الأشرف برسباى الذى لم يشأ أن يُدفن فى قاهرة الملوك، واختار الخانكة، وكأنه أراد أن تبقى روحه فى المكان الذى حمل صلاته، وشهد على حلمه.
وتشهد الزخارف فى مسجد الأشرف برسباى على براعة فنانى المماليك، الذين حولوا الحجر إلى لوحةٍ تنبض بالجمال.. ستجد فى كل زاوية تفاصيل مدهشة.. فالمقرنصات تزين تيجان الأعمدة، وكأنها تفيض بالضوء.. والأشرطة الكتابية تحمل آيات قرآنية وخطوطًا بديعة من الخط العربي، كما أبدع النجارون فى زخرفة الأبواب الخشبية بالنحاس، حتى بدت كأبواب تفتح على عالم من السحر والفن.
مر المسجد بمحطاتٍ عديدة من الترميم، فكاد يفقد بعضًا من زخارفه، لكن تلك المحاولات أعادت له جزءًا من بريقه.. ورغم تعاقب القرون، يظل مسجد الأشرف برسباى ثابتًا يروى الحكايات لكل من أراد أن يستمع.









