فى حضرة الإنشاد الدينى تمتزج الأرواح فى فضاءات من النغم والنور، التقينا الفنان والمنشد عمر مسعد، عضو فرقة الحضرة المصرية، فى حديث حمل عبق المجالس الصوفية ودفء التراث المصرى الأصيل.. يفتح عمر نوافذ الحكاية، من البدايات الأولي، إلى ملامح التجربة، وجمهور الإنشاد، وصولًا إلى رهانه الكبير على الشباب وعلى جمال التراث الدينى المصري..
> كيف وُلدت فرقة «الحضرة المصرية»، ومتى كانت البداية؟
>> ولدت الفرقة عام 2015 من رحم صداقة صادقة وتجارب فنية متجاورة، حين اجتمع عدد من الأصدقاء على حلم واحد.. أن يؤسسوا كيانًا فنيًا يحمل المدائح الصوفية إلى الناس بروح حية.. فى البدايات، لم يكن الطريق مرسومًا تمامًا، وكانت ملامح التجربة تتشكل شيئًا فشيئًا عبر التفاعل بين المنشدين، واختلاف مشاربهم الفنية والروحية.. ومع مرور الوقت، تبلور هذا التنوع فى لون خاص بنا، له شخصيته ونبرته، حتى استقر بنا المقام على تقديم المدائح المصرية الأصيلة التى تتردد فى الساحات والمساجد وموالد الطرق الصوفية، بحيث يكون لكل ما نؤديه على المسرح جذور شعبية واضحة.
> ما الملامح الفنية التى تميز ما تقدمه فرقة «الحضرة المصرية»؟
>> ما نقدمه هو استدعاء لتراث مصرى روحى عميق، نعيد صياغته فى قالب موسيقى رشيق، قريب من الوجدان، وخفيف على السمع، دون أن يفقد هيبته أو صفاءه.. نحن نؤمن أن المدائح الشعبية المصرية تحمل كنزًا من المعاني، فهى ليست فقط أناشيد تتردد، لكنها رسائل محبة وتوق وتودد إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وآل بيته الكرام.. ولعل هذه الخلطة بين الأصالة والجمال، بين البساطة والرسالة، هى ما منح تجربتنا امتدادها واستمرارها حتى اليوم.
> حدثنا عن أعضاء الفرقة والتكوين الفنى لها.
>> فرقة «الحضرة المصرية» اليوم تقوم على نسيجٍ بشرى وفنى متنوع، لكنه منسجم كأنه نفس واحد يتردد فى قصيدة.. تضم الفرقة ثمانية منشدين هم: أشرف مغازي، ومعاذ الجعفري، وباسم جمال، وخالد أسامة، وبلال رأفت، وعبدالقدوس عكاشة، ومحمد عبدالعزيز النقشبندي، وأنا.. ويصاحبنا فى رحلتنا الموسيقية مجموعة من العازفين الذين يثرون هذا العالم الروحى بأنفاسهم وإيقاعاتهم، منهم سعيد طلعت على العود، ويحيى عمر على الكمان، ومصطفى عبدالله وأحمد القط ووائل على الإيقاع، ود.حاتم على الناي، وأحيانًا ينضم إلينا أيضًا الفنان سيف على آلة الكيبورد. نحن فى النهاية حالة جماعية تتآلف فيها الأصوات والآلات لخدمة معنى واحد.
> ما الفئات العمرية الأكثر إقبالًا على الإنشاد الدينى فى مصر؟
>> مع مرور السنوات، أدركنا أن جمهور الإنشاد أوسع وأغنى مما قد يتخيله البعض.. لم يعد هذا الفن حكرًا على فئة عمرية بعينها، وإنما صار يجد طريقه إلى القلوب على اختلاف الأعمار والطبائع والخلفيات الثقافية.. هناك من ينجذب إلى الأنشودات الطربية بما فيها من شجن وعذوبة، وهناك من يطربه اللون الشعبى الخفيف بما يحمله من تلقائية وقرب، بينما تميل قلوب أخرى إلى قصائد العشق الإلهى بما فيها من صفاء وسمو.. ومع ذلك، تبقى هناك أعمال يلتقى عندها الجميع، وتتحول إلى مساحات مشتركة من الوجد، مثل: «مدد يا سيدة» و»دايمًا على الخاطر» و»هنا الحسين» وغيرها من القصائد التى تحفظها الأرواح قبل الآذان.
> كيف ترى علاقة الشباب اليوم بفن الإنشاد، وما الذى يحتاجه هذا الفن ليستمر؟
>> الإنشاد اليوم يجد صدى واضحًا وعميقًا لدى الشباب، بل إننا نفاجأ أحيانًا بحجم التفاعل الذى نراه منهم، وكأنهم يعثرون فى هذا الفن على شيءٍ افتقدوه طويلًا: الصفاء، والصدق، والهوية.. لكن هذا القرب لا يكفى وحده؛ فاستمرار التأثير يحتاج إلى جهد دائم، وبحث لا يهدأ، وحرص على أن يظل ما يقدم للناس على درجة عالية من الجودة والصدق.. وفى تقديري، يبقى تراثنا الدينى المصرى ثريًا على نحو يستحق منا أن نلتف حوله، باعتباره طاقة حية يمكن أن تجدد وعينا بأنفسنا.. وإذا أحسنا الاقتراب من هذا التراث وإحياءه والانتفاع بجماله، فسندرك روعة هذا الدين، كما سندرك أن للمصريين بصمتهم الخاصة التى لا تخطئها الروح فى كل مجال.









