شهر رمضان في مصر هو شهر الكرم والتكافل الاجتماعي والتراحم الإنساني؛ فموائد الرحمن و”شنط الخير” تعبر عن ذلك بأوضح وأبسط الكلمات، وهو أيضاً شهر الالتقاء والتواد الإنساني؛ فإفطار المطرية وعشرات الإفطارات المشابهة في مختلف الأحياء والمدن المصرية تثبت ذلك للجميع، لكنه أيضاً بات شهر التفاخر ومحاولة التمايز الاجتماعي والطبقي لدى البعض.
نشرت بعض المواقع فاتورة إفطار رمضان بأحد المطاعم قيمتها (15 ألف جنيه)، وقبلها بأيام نُشرت فاتورة سحور بمبلغ ألفي جنيه، وفي كل مرة هناك أصابع تمسك بالفاتورة؛ أي أن هناك من أراد نشر الفاتورة، ولا نعرف القصد من النشر؛ هل هي نوع من الشكوى أو الألم، والشعور مثلاً أن هناك من تورط بدخول مطعم بهذا الغلاء؟ والكلمات المصاحبة للنشر لا تكشف شيئاً من ذلك.
بعض التعليقات يتحسر أصحابها على ارتفاع الأسعار ويرونها مأساة اقتصادية، والمؤكد أن من يذهب إلى مطعم يدرك مسبقاً مستوى الأسعار به، خاصة أن التوجه إلى تلك المطاعم للإفطار أو للسحور يكون بحجز مسبق، وأحياناً يكون قبلها بيوم أو يومين. وتعمد نشر هذه الفواتير دون شكوى رسمية أو شفهية، بل بمجرد إبداء نوع من الدهشة والمفاجأة، أو ربما التفكه والتندر، هو على الأغلب مقصود به التفاخر والتباهي الاجتماعي أو محاولة إبراز قدر من التمايز والقدرة المالية. والملاحظ أن هذه النماذج يمكننا اعتبارها “طرائف” تبرز كل سنة مع الشهر الفضيل، وفي العديد من المناسبات الاجتماعية والدينية.
بعض الزملاء اعتبروها مظلمة وراحوا ينددون بالحالة الاقتصادية وارتفاع الأسعار؛ فببساطة طبق الفول يمكن أن يكون في مطعم بعشرين جنيهاً أو أقل، لكنه هو نفسه في مطعم فاخر قد يكون بعشرة أضعاف هذا المبلغ، وقد يكون أقل جودة، والمعيار هنا للاختيار. ومنذ أكثر من ثلاثين عاماً، كان لنا زميل عائد من الخارج يتفاخر أنه يفضل تناول أقراص “الطعمية” في أحد الفنادق الفاخرة على النيل، وكان يتعمد ذكر رقم المبلغ الذي يدفعه (أكثر من تسعين جنيهاً وقتها)، وكنا نحن ندفع فيها أقل من جنيه في معظم المطاعم. والمسألة أن هناك قطاعاً من الجمهور يود التباهي والتفاخر؛ فسيكولوجية “نمبر وان” في دراما الحياة والمجتمع تنتشر وتتوسع، كما هي في دراما الشاشة.

كان هناك نوع من التفاخر الودود والمحبب في المحيط العائلي، عبر التنافس في الولائم والعزومات، وكل وليمة تتميز بنوع من الطعام، سواء في طريقة إعداده أو الطهي وربما المكونات، وفي أعداد المدعوين. وبسبب هذه الولائم ترتفع خلال الشهر أسعار اللحوم والدواجن وسائر الطيور، وهذه الولائم لم تتوقف حتى في عام “كوفيد-19″؛ فقد كانت الأسر والعائلات تجتمع فوق أسطح العمارات ويفطرون معاً، فكانوا يحافظون على عاداتهم وفي نفس الوقت لا يخالفون تعليمات وزارة الصحة التي كانت تقضي بتجنب الاجتماعات العامة.
هذا النمط اعتدناه ونتقبله كظاهرة اجتماعية في المحيط الأسري والعائلي، وبها كثير من الجوانب الإيجابية وتنسجم مع روح الشهر الكريم. وكانت بعض الأعمال الدرامية تدعو إلى تجنب الإسراف في أعداد وضخامة الولائم، وكان علماء الأزهر يشيرون ويشرحون بالتفصيل ضرورة التنبه إلى حكمة الصيام بعدم التوسع في الولائم أو تناول الأطعمة بِنَهَمٍ شديد بعد الإفطار.
الجديد، الذي لم يكن موجوداً في فترات سابقة، هو التفاخر بارتفاع أسعار بعض المطاعم وقيمة الفاتورة المدفوعة، وعدد الأصناف على المائدة، سواء في الإفطار أو مع وجبة السحور، ثم نشرها عبر صفحات ومواقع “السوشيال ميديا” مصحوبة بفعل الأمر (شير). وبعضنا يتصور أنهم يشكون ويتظلمون أو يعانون، لكنهم -على الأغلب- يتفاخرون ويتباهون، ويستمتعون بذلك كنوع من الوجاهة الاجتماعية.
أولئك المغرمون بالضجيج الاجتماعي وضوضاء المطاعم الفاخرة ليسوا سوى هامش على متن ضخم، هو المجتمع المصري بتنوعه وثرائه الإنساني والثقافي العميق. تأمل موائد الرحمن، وهي قديمة في مصر، وكانت تتم بأشكال مختلفة شاع أمرها في العقود الأخيرة، وفي الأصل كانت للغرباء وعابري السبيل ومن أَزِفَ بهم الوقت لظروف العمل ولا يمكنهم الوصول إلى بيوتهم، ثم أضيف إليهم أيضاً بعض المعوزين وبعض الذين يعيشون في وحدة ويبحثون عن مجموع يضمهم في لحظة الإفطار.
هذه الموائد على الأغلب يقف خلفها بعض الجمعيات الخيرية والأهلية، وهناك كذلك بعض الأثرياء (بالتعبير الدارج “أهل الخير”)، وهم على النقيض من هواة التفاخر والوجاهة الاجتماعية؛ يفعلون الخير لذاته ويريدون وجه الله تعالى. هؤلاء كُثُر، أبناء مدرسة أشار إليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تقوم على أن الصدقة والحسنة التي تسديها بيدك اليمنى لا ينبغي أن تعلم بها اليد اليسرى؛ فالمعنى العميق هنا أن الخير مقصود لذاته، والخير يقوم به أصحابه لوجه الله، لا تفاخر ولا مظهرية، لا مَنٌّ على أحد ولا رياء لأحد.
وفي السنوات العشر الأخيرة، ربما قبلها بقليل، انتشرت موائد الإفطار الجماعية التي يقوم عليها بعض أبناء شارع أو حي معين، يفطرون معاً، ربما في جانب من الشارع أو أحد الميادين أو مكان يتم تجهيزه ويقدم كل ما يجود به. والحالة الأبرز هنا هي “إفطار المطرية”، الذي بات حدثاً سنوياً تتناقل أخباره وحكاياته وكالات الأنباء العالمية، وهذا العام كان الإفطار به (مئة ألف وجبة)، حضره عدد غير قليل من السفراء الأجانب، بل إن بعضهم شارك في إعداد الإفطار.
في بعض أعمال نجيب محفوظ، خاصة رواية “عصر الحب” ومجموعة “صباح الورد”، يصبح شهر رمضان هو شهر سقوط الحواجز بين الفقراء والأغنياء، أو سكان السرايات وأهل الرَبْع، حيث كانت أبواب السرايات والبيوتات تفتح للفقراء ساعة الإفطار أو في السهرات لسماع مقرئي القرآن الكريم وتناول المشروبات وبعض الحلويات. ولكن إفطار المطرية تفوق على ما كان في القاهرة مطلع القرن العشرين؛ حيث جلس الغني والفقير معاً، والوزير الحالي والسابق بين عموم المواطنين، وأيضاً المسلم إلى جوار القبطي والمسيحي غير المصري؛ فأطقم السفارات الأجنبية التي شاركت الإفطار ليسوا مسلمين، وهذه اللوحة الإنسانية البديعة يرسمها أو يبدعها المصريون في الشهر الفضيل.
إفطار المطرية هو النموذج الأبرز، وفي أحياء عديدة بالقاهرة والجيزة نجد حالات مشابهة وإن لم تكن بنفس الضخامة، في إمبابة وفي المعادي وسواهما، فضلاً عن نماذج أخرى في مختلف المدن في المنيا وفي أسيوط والأقصر، كما في المنوفية والشرقية وفي الدقهلية؛ حيث جمع محافظها الدءوب عمال النظافة في مدينة المنصورة وأفطر معهم في نموذج آخر لسقوط الحواجز الإدارية أمام المعنى السامي لشهر رمضان وللصيام.
ينشغل العلماء والفقهاء سنوياً في تفسير آيات الصوم ومعانيها في القرآن الكريم، كما ينشغلون بشروح الأحاديث النبوية حول الصيام وحظ كل منها من صحة الإسناد أو ضعفه، وكل ذلك جيد ومُقَدَّر من العلماء والفقهاء والباحثين، لكن على مستوى الأفراد والمجتمع فإن معنى ورمزية الشهر الفضيل واضحة لديهم؛ هو شهر التكافل الاجتماعي والإنساني، وهو كذلك شهر سقوط الحواجز بين البشر، حيث يحل التسامح ويَعَمُّ الإخاء. لذا نفتقده ونحن نودعه وننتظره بشوق طوال العام، وإلى جوار التكافل والتراحم لا بأس من وجود هواة التفاخر بضخامة فاتورة الإفطار.
كل عام ومصر بخير وأمان ورخاء.









