تلقيت العديد من الاتصالات وعشرات الرسائل بعد مقال الأسبوع الماضي«الأطفال بين اب ظالم.. وام جاحدة»، الذى تحدثت فيه عن ضياع الأبناء بين ظلم بعض الآباء وجحود بعض الأمهات، وعن تلك اللحظة العجيبة التى يقرر فيها القانون – بكل هدوء وثقة أن أفضل حل لمشكلة الأسرة هو أن يقف طفل صغير فى المنتصف ويختار: مع من يعيش؟
المقال فتح بابًا واسعًا لرسائل موجعة، مؤلمة .حكايات لا تشبه الدراما، التى تنتهى غالباً فى الحلقة الأخيرة.. أما القصة هنا فقد تمتد سنوات طويلة بلا نهاية.
اخترت من بين الرسائل ثلاث حكايات، ليس لأنها الأغرب، بل لأنها ببساطة الأكثر تكرارًا.
الرسالة الأولى «ادفع الغرامة واستمر فى المنع»جاءت من أب يقول إنه لم يرَ ابنه منذ اثنى عشر عامًا. رغم ان الرجل حصل على أحكام قضائية متعددة ضد طليقته بسبب الامتناع عن تنفيذ الرؤية.
المحكمة حكمت… والمحضر حرر… والغرامة صدرت… لكن السيدة – كما يقول – تدفع الغرامة بكل هدوء ثم تعود إلى منزلها مطمئنة، بينما يظل الابن بعيدًا عن أبيه.
الرسالة الثانية «عايزة اعرف شكلهم»جاءت من أم فقدت أبناءها بالطريقة المعاكسة. زوجها سافر بهم إلى خارج البلاد منذ سنوات، ومنذ ذلك الحين لا تعرف عنهم شيئًا. لا صورة حديثة، لا مكالمة، لا حتى رسالة تطمئن قلب أم.
القانون هنا يقف فى حيرة، والحدود الجغرافية تبدو أقوى من أحكام المحاكم، بينما تمر السنوات ويكبر الأطفال بعيدًا عن أم لا تعرف حتى كيف أصبح شكلهم الآن.
أما الرسالة الثالثة «الانسحاب» فكانت من أب قرر أن ينسحب من حياة أولاده تمامًا. الرجل عمل سنوات طويلة فى الخليج، ثم عاد بعدما تغيرت أحواله الاقتصادية. بعد عودته بقليل طلبت زوجته الطلاق، واستولت – بحسب روايته- على معظم مدخراته. ولم يكد يستوعب ما حدث حتى فوجئ بأن ابنته قد تزوجت… دون أن يكون حاضرًا فى لحظة كان من المفترض أن يكون فيها أول الحاضرين.
فقرر ببساطة أن يغلق الصفحة، وأن يعيش بقية حياته بعيدًا عن هذه الدائرة كلها.
ثلاث رسائل مختلفة.. لكنها فى الحقيقة ثلاث صور لنفس المأساة.
أب لا يرى ابنه، وأم لا تعرف مكان أطفالها، وأب يقرر أن ينسحب من المشهد كله.
جلست أفكر قليلاً فى هذه القصص، فوجدت بينها قواسم مشتركة يصعب تجاهلها: بيئة مضطربة، تربية ناقصة، ونهم واضح للمال يجعل بعض الناس يتعاملون مع الأسرة وكأنها مشروع استثمارى لا علاقة إنسانية.
الحقيقة الواضحة وضوح الشمس والتى لا يمكن الهروب منها هى أن هذه القوانين تحتاج مراجعة جادة وشجاعة. لا لمصلحة الأب وحده، ولا لمصلحة الأم وحدها، بل لمصلحة الطرف الوحيد الذى لا يملك محاميًا يدافع عنه: الطفل.
لابد أن يُعاد النظر فى القانون ليكون فى مصلحة الأبناء أولاً، لا فى مصلحة طرف ضد طرف. لأن العدالة الحقيقية لا تعنى أن ينتصر الأب أو تنتصر الأم.. بل أن يبقى الطفل بعيدًا عن ساحة الصراع.
فى النهاية قد ينجح أب فى حرمان أم من أطفالها، وقد تنجح أم فى منع أب من رؤية ابنه، وقد يقرر أحد الطرفين الانسحاب من المشهد كله.. لكن الحقيقة البسيطة التى ننسى تذكرها دائمًا هى أن الطفل لا ينسى.









