تابعنا وشاهدنا التصعيد العسكرى القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى إلى جانب التداعيات المتسارعة التى تشهدها عدة دول عربية نتيجة تطورات المشهد الإقليمى الراهن.. رسميا لقد دخلت المنطقة طوراً جديداً من عدم اليقين، ومصر بحكم الجغرافيا والدور والتاريخ لا يمكن أن تكون بعيدة عن ارتداداته حتى وإن لم تكن طرفا مباشراً فى المواجهة، ويظهر التأثير الأول فى الاقتصاد قبل السياسة فالمتعارف عليه من خلال أى توتر عسكرى واسع فى هذه البقعة من العالم ينعكس فورا على حركة التجارة الدولية ويضع الممرات البحرية تحت ضغط المخاطر. قناة السويس باعتبارها شريانا رئيسيا للتجارة العالمية وأحد أعمدة الإيرادات المصرية تتأثر تلقائياً بارتفاع تكاليف التأمين وتردد بعض الخطوط الملاحية، فالمسألة هنا لا تتعلق بعدد السفن فحسب ولكنها تتمحور فى عدة محاور أخرى ومنها ثقة السوق العالمية فى استقرار هذا الممر الحيوي. أما السياحة فبدورها شديدة الحساسية تجاه التطورات الأمنية، فشركات السفر العالمية لا تفصل كثيراً بين دولة وأخرى عند تصنيف المخاطر ولكن تنظر إلى الإقليم بوصفه وحدة جغرافية واحدة، ومع تصاعد المشهد العسكرى يتراجع الطلب وتتأثر خطط المواسم السياحية. وفى الوقت ذاته، تواجه الصادرات تحديات لوجستية وارتفاعا فى تكلفة النقل، بينما يعيد المستثمر الأجنبى تقييم أولوياته فى بيئة إقليمية ملتهبة . وبالتالى تتجه شريحة من الأموال قصيرة الأجل إلى ملاذات أكثر استقراراً ما يخلق ضغطاً إضافياً على سوق الصرف، ولذلك فإن وجود احتياطى نقدى قوى يمنح الدولة مساحة للحركة وقدرة على امتصاص الصدمات، لكنه لا يشكل حلاً دائماً إذا طال أمد الحرب أو اتسع نطاقها، فالاقتصاد يمكنه استيعاب موجة اضطراب قصيرة غير أنه يتأثر بعمق حين يتحول التوتر إلى حالة ممتدة. ومن هنا لا يكفى الاكتفاء بإدارة الأزمة بل يبرز الاحتياج إلى مقاربة أوسع تعالج جذور الهشاشة الإقليمية ولقد كشفت الحرب الدائرة بوضوح أن غياب إطار عربى وإسلامى صلب للأمن الجماعى يجعل كل دولة تواجه العاصفة منفردة، وفى عالم يتشكل عبر التكتلات الكبرى يصعب على أى دولة مهما بلغ وزنها أن تحمى مصالحها وحدها. وسؤالي؟ لماذا لا تعود إلى الواجهة فكرة تأسيس تحالف دفاعى عربى أو إسلامى بصيغة حديثة يستلهم فلسفة الردع الجماعى التى تقوم عليها تجارب مثل حلف شمال الأطلسى مع مراعاة خصوصية المنطقة وتوازناتها الدقيقة. ولا ينبغى فهم هذه الفكرة بوصفها خطوة تصعيدية أو مشروع مواجهة ولكن باعتبارها آلية للاستقرار فاعتبار أى اعتداء على دولة عضو تهديداً للجميع يعزز منطق الردع ويقلل احتمالات المغامرة الخارجية. على أن التحالف المقترح لا يجوز أن يظل حبيس البعد العسكرى لأن مفهوم الأمن اليوم بات مركبا يشمل الاقتصاد والطاقة والغذاء والتكنولوجيا والأمن السيبراني، ومن ثم فإن التنسيق فى تأمين الممرات البحرية وتطوير الصناعات الدفاعية المشتركة وإنشاء آليات دعم مالى متبادل تمثل ركائز أساسية لبناء كتلة إقليمية قادرة على الصمود. وقد طرح الرئيس عبدالفتاح السيسى فى أكثر من مناسبة أهمية تعزيز العمل العربى المشترك وتفعيل مفهوم القوة العربية المشتركة، والتطورات الراهنة تمنح هذا الطرح أهمية مضاعفة وتفتح الباب أمام الانتقال من التنسيق الظرفى إلى بناء مؤسسة دائمة ذات هيكل واضح وآليات ملزمة، فالهدف ليس استبدال التحالفات الدولية إنما لتحقيق توازن يحفظ القرار العربى من الارتهان الكامل لمعادلات الخارج.









